بقلم / محمد مكي آل عيسى

انتشر على مواقع التواصل منشور لفت انتباهي وهو أن أحد الكتاب أرسل الى المرجع الأعلى سماحة السيد السيستاني أعلى الله مقامه رسالة مفتوحة طويلة ومعللة يطالبه فيها ببيان موقفه من التطبيع وقد أيده بذلك الكثير من المتابعين.

مما دفعني لأبحث عن رأي السيد السيستاني رعاه الله من خلال ما ورد في إجابات الصحفيين والبيانات الصادرة من مكتبه , ومعيني الأول والأخير هو كتاب (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني دام ظله في المسألة العراقية) لحامد الخفاف , والكتاب وإن كان يشير الى أنه جمع النصوص الصادرة بخصوص المسألة العراقية لكنه تضمّن ضالتي وإن لم تكن بشكل مباشر . . نعم فمفردة التطبيع لم تكن متداولة حين ورود هذه النصوص لكني بحثت عن رأي السيد دام ظله بفلسطين وشعبها من جهة ورأيه بالكيان الغاصب المحتل من جهة أخرى ومن خلال استعراض رأيه بهذين الأمرين سينكشف لنا وبوضوح رأيه بالتطبيع.

ولنبدأ بالتعرّف على رأيه دام ظلّه بفلسطين وشعبها . .

((فلسطين العزيزة . . أبناء الشعب الفلسطيني المظلوم .. المسلم . . العزيز . . الأراضي الفلسطينية المحتلّة . . إخوتنا الفلسطينيين . . الشعب الأبي .))

ومع أنها الفاظ قليلة لكنها عميقة وتبين لنا مكانة فلسطين وشعبها المسلم عند السيد السيستاني أدام الله ظله الوارف .

أمّا لو حاولنا أن نتعرف على رأيه بالإحتلال الغاصب لفلسطين فسنرى أن النصوص تقول :

(( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ))

((عدواناً صهيونياً متواصلاً قلّ نظيره في التأريخ الحديث. وتعجز الكلمات عن بيان أبعاده الوحشية، فقد عمّ الجميع ولم يسلم منه حتى الشيوخ والنساء والصبيان، وتنوعت أساليبه قتلاً وتعذيباً وترويعاً واعتقالاً وتشريداً وتجويعاً وهتكاً للحرمات واستباحة للمقدسات وتخريباً للمدن والمخيمات وتدميراً للبيوت والمساكن وبلغ حتى الممانعة من إسعاف الجرحى والمصابين ودفن أجساد الشهداء، ويجري كل ذلك بمرأى ومسمع العالم أجمع ولا مانع ولا رادع، بل إنه يحظى بدعم أمريكي واضح.))

((هجمة (إسرائيلية) شرسة واعتداءات متواصلة أسفرت لحد الآن عن سقوط مئات الضحايا بين شهيد وجريح.))

وبالتأكيد فإن اختيار الآية القرآنية التي تصدرت النص ليس جزافياً فقد بدأت بلعن بني إسرائيل ونسبت لهم العصيان والعدوان . . وبعد الآية جاء النص ليبين أن هذا العدوان متواصل لا يتوقف وقل نظيره في التأريخ أي لاشبيه له ولا عدوان مثله ولم يحدد النص أن عدم الشبه هو في الكم أم النوع أم الفترة الزمانية بل أطلق الوصف ليعم كل ذلك.

ثم يعود ليبين النص الوارد من مكتب سماحته أن هذا العدوان المتواصل الذي لا يشبهه عدوان ذو أبعاد وحشية يتعذر وصفها لأن الكلمات تعجز عن التعبير عنها ووصفها.

وبين أن هذا العدوان لم يميّز بين ضحاياه ولم يكن له أي بعد إنساني حيث شمل وعمّ المستضعفين الذين لا يُتَوقع الضررُ والعدوانُ منهم كالشيوخ والنساء والصبيان وأن هذا العدوان تجاوز كل الأعراف التي تلتزم بها الدول عند الحروب حيث لم يكتف بالقتل وإنما مارس التعذيب والترويع والاعتقال والتشريد والتجويع وكلها وسائل إرهابية وجهها نحو الأبرياء الآمنين في وطنهم.

كما تجاوز هذا العدوان الأعراف الإنسانية فهتك الحرمات واستباح المقدسات التي تحترمها الدول الملتزمة حتى في حروبها وتعطيها عناية خاصة.

ثم استمر النص واصفاً العدوان الغاشم بأنه تقصّد مراراً المدن وتخريبها وكذلك المخيمات التي يلجأ إليها من فقد مأواه وكذلك البيوت والمساكن بمعنى أن هذا العدوان لم يكن في مواجهة عسكرية إنما توجه لينال من المدنيين الآمنين.

ثم بيّن النص الوارد من مكتب سماحته أن قباحة هذا العدوان وبشاعته تجاوزت كل الحدود فوصلت الى منع إسعاف الجرحى والمصابين بل شرٌّ من ذلك أن العدوان منع حتى دفن أجساد الشهداء . . نعم يقول النص بأن ضحايا هذا العدوان شهداء مع أنهم يخالفون المدرسة التي عليها السيد السيستاني أدامه الله لكنه اعتبرهم شهداء بسبب هذا العدوان.

وفي نص آخر يصف العدوان بأنه همجي أطبق حصاراً ظالماً لفترة طويلة على الشعب الفلسطيني

ولم يكتفِ النص الوارد من مكتب سماحته بوصف فلسطين وشعبها بل ويحث المسلمين على دعم فلسطين وشعبها . . فيقول

(( إن الوضع المأساوي الذي يعيشه أبناء الشعب الفلسطيني المظلوم يقتضي أن لا يهنأ المسلمون في مطعم أو مشرب إلى أن يكفّوا عن إخوانهم وأخواتهم أيدي الظالمين المعتدين))

بمعنى أن بسبب هذا العدوان يقتضي أن يتنغّص كل من يدّعي الإسلام بمأكله ومشربه ولا يهنأ بهما إلاّ بعد أن يقوم هو وباقي المسلمين بردع هذا العدوان وقطع يده عن أن تنال من فلسطين وشعبها

ثم يقول ((لقد رُوي عن النبي الأعظم (ص) أنه قال: (من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم)، ولذلك نهيب بالمسلمين كافة أن يهبّوا لنجدة الشعب الفلسطيني المسلم ويستجيبوا لصرخات الاستغاثة المتعالية منهم ويبذلوا قصارى جهدهم وإمكاناتهم في ردع المعتدين عليهم واسترداد حقوقهم المغتصبة وإنقاذ الأرض الإسلامية من أيدي الغزاة الغاصبين.

نسأل الله العلي القدير أن يأخذ بأيدي المسلمين إلى ما فيه الخير والصلاح ويمنّ عليهم بالنصر على أعدائهم (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) )).

والنص يدعو المسلمين أن يهبّوا لنجدة هذا الشعب ويستجيبوا لاستغاثته ويبذلوا كل ما لديهم من الجهد والمال والقوة والقدرة . . و. . و. . و. . كل الإمكانات لردع المعتدين واستعادة واسترداد حقوقهم وأرضهم ويُمَنِّي المسلمين بالنصر من عند الله

وفي نص آخر ( يخص غزّة ) يبين أن تعابير الإدانة والاستنكار لا تعني شيئاً أمام المأساة ويطالب أمة العرب – لعل القومية العربية تحرّكهم – و أمة الإسلام – لعل الإسلام يحرّكهم- باتخاذ مواقف عملية لكسر الحصار الظالم عن غزّة .

ونرى أن النص الصادر من مكتب سماحته بمناسبة استشهاد الشيخ أحمد ياسين ينتهز الفرصة لاستنهاض الأمة لتقف بجانب الشعب الفلسطيني فيقول (( نستنهض أبناء الأمة العربية والاسلامية لرصّ الصفوف وتوحيد الكلمة والعمل الجادّ في سبيل تحرير الأرض المغتصبة واستعادة الحقوق المسلوبة انطلاقاً من قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}

ولو قرأنا جميع النصوص التي أوردتها أعلاه لوجدناها كتبت باللغة العربية وبأسلوب سلس بعيد عن كل تعقيد . . وعندما حاولت أن أحلّل بعضها وجدت أني أعيدها نفسها . . ووجدت نفسي أقوم بتوضيح الواضحات.

وهنا وقفت لأستوضح معنى التطبيع؟؟ وماهو؟؟ وما هي آلياته؟؟ وما يترتب عليه ؟؟ وماذا يختلف عن الصداقة والتعاون والتحالف ؟؟

و هل يتوافق التطبيع مع من يحمل الصفات التي ذكرتها النصوص أعلاه ؟

و هل أن الحث والاستنهاض الذي بينته هذه النصوص والموجه نحو العرب والمسلمين لدحر هذا العدو وتحرير الأراضي الفلسطينية يتوافق مع التطبيع؟؟

وأترك الإجابة للقارئ الكريم

ورب معترض يقول كيف تضمن أن هذا الرأي ثابت لم يتغيّر ؟؟

أقول إن العلماء الربّانيين لا يتحدثون برأيهم الشخصي وإنما يتحدثون بما انكشف لهم من المنهج الإلهي بتعاليمه وتربيته وتوجيهه .

وبما أن منهج الله ثابت لا تتغيراحكامه لأنه منطبق على الحق فآراء العلماء الملتزمين بهذا النهج لا تتغير الا اذا تغير موضوع الحكم وما دام موضوع الحكم ثابتاً فرأي الِعالم باق ثابت على ماهو عليه.

هذا ما وجدت . . . ولعل غيري يستقصي فيجد ما لم أجد !

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here