كنوز ميديا // بغداد

تعتبر الزيارة التي يقوم بها البابا فرنسيس الى العراق، هي اول زيارة لرئيس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، الى هذا البلد العريق، الذي يعتبر، مهد الحضارات، وارض الأنبياء والرسالات. يضم ثراه مراقد الائمة والصالحين، وعلى أديمه ترتفع المساجد والحسينيات والكانئس، وعلى ضفاف رافديه، عاش جميع اتباع الديانات الإبراهيمية، في وئام ومحبة، حتى اصبح رمزا للسلام على مدى التاريخ.

هذه الحقيقة أشار إليها البابا في رسالته المصورة الى الشعب العراقي قبل توجهه الى العراق، حيث خاطبهم قائلا:” منابع الحكمة العريقة في أرضكم توجهنا لنتخّذ سبيلاً آخر لنفعل مثل إبراهيم.. من وسطكم، منذ آلاف السنين، بدأ إبراهيم مسيرته، وعلينا اليوم أن نواصل هذه المسيرة بالروح نفسها، ونجوب دروب السلام معا، ولذا فإني ألتمس بكم جميعا السلام وبركة الله العلي. وأطلب من جميعكم أن تقتدوا بإبراهيم”.

في ارض أور، جنوب العراق، ولد إبراهيم، أبو الانبياء، ومن أرض أور انطلق في مسيرته حاملا رسالته الإلهية الى البشرية جمعاء. واليوم وبعد الاف السنين، يأتي بابا الفاتيكان، لزيارة أور، مسقط رأس إبراهيم، كرسول سلام، الى ارض تكالبت عليها جيوش الظلام، لنحر السلام ونشر الضغائن والاحقاد، عبر قتل وذبح وصلب وسبي ونهب وسرقة، إتباع إبناء إبراهيم، عيسى ومحمد، مرة بذريعة العودة الى “إرض الميعاد”، ومرة بذريعة “نشر التوحيد الخالص ومحاربة الشرك”، ومرة بذريعة “نشر الديمقرطية”!!.

البابا فرنسيس، كان حكيما عندما قرر ان يلتقي خلال زيارته بحفيد خاتم الإنبياء، محمد المصطفى (صلى الله وعليه واله وسلم)، المرجع الديني الأعلى سماحة السيد على السيستاني، في مدينة النجف الاشرف، فالفضل كل الفضل، يعود الى هذا الرجل، الذي حمى المسيحيين والمسلمين والاقليات الدينية الطائفية والقومية، في العراق، امام جيوش الظلام، عندما أفتى بضرورة محاربتها والدفاع عن أتباع أبناء إبراهيم دون إستثناء، فخاطب أتباع عيسى عليه السلام قائلا :”أنتم جزء منا ونحن جزء منكم”. وخاطب المسلمين السنة بقوله :”السنة أنفسنا”، فهب جميع العراقيين من مسلمين، شيعة وسنة، ومن مسيحيين وإيزديين، تلبية لنداء مرجع السلام للدفاع عن السلام وعن ارض السلام.

جيوش الظلام، وبحماية الارهاب الامريكي، وبدعم الوهابية السعودية، تمكنت في عام 2014 وخلال ايام قليلة من احتلال ثلث إرض العراق، فهدمت الكنائس والمساجد والحسينيات، وسبت حرائر العراق من مسيحيات وايزديات، وحاولت دخول بغداد، إلا إنه كان للسلام أبطاله، الذين وضعوا ارواحهم فوق راحاتهم، وشمروا عن سواعدهم، وحملوا السلاح تلبية لنداء مرجع السلام، فكانوا الحشد الشعبي والقوات المسلحة العراقية، شباب بعمر الورود، تركوا محافظاتهم ومدنهم وقراهم، وتوجهوا الى الموصل وقرقوش، وطردوا جيوش الظلام من الكنائس، وحرروا المسيحيات والايزديات منها ، وطهروا العراق من رجسها ودنسها.

رسم البابا صورة حقيقية للمآسي التي مر بها العراق ، خاصة المسيحيين والايزديين، على يد جنود الظلام، عندما خاطبهم في رسالته: “أخوتي وأخواتي الأعزاء، لقد فكّرت فيكم كثيرًا طيلة هذه السنين، فيكم أنتم الذين عانيتم الكثير، لكنكم لم تشعروا بالإحباط. فكّرت فيكم، مسيحيين ومسلمين. وفيكم أنتم الشعوب، مثل الشعب الإيزيدي. فكّرت في الإيزيديين الذين عانوا الكثير الكثير. والآن أوافي أرضكم المباركة والمجروحة حاجًا يشوّقني الرجاء”.

ان المناطق التي سيزورها البابا خلال زيارته، خاصة في الموصل، هي مناطق قُدمت، من اجل تحريرها، دماء غالية وغالية جدا، وفي مقدمة هذه الدماء الطاهرة، دماء بطلي السلام، القائدين الشهيدين قاسم سليماني وابو مهدي المهندس، حيث اختلطت دماء العراقيين مسلمين ومسيحيين وايزديين، الى جانب اخوانهم من الجمهورية الاسلامية الايرانية، الذين استشهد منهم الالاف في العراق وسورية، من اجل الدفاع عن المقدسات الاسلامية والمسيحية ومقدسات باقي الاقليات الدينية.

العراقيون ، وخلال سنوات الحرب ضد جيوش الظلام ، وعلى راسها “داعش”، سطروا أروع ملحمة، يمكن ان يسطرها شعب، رغم محنة استهداف نسيجهم الاجتماعي والديني والطائفي، وبشكل مبرمج ومكثف، من قبل التحالف الامريكي “الاسرائيلي” السعودي، فقد زادهم هذا الاستهداف تلاحما وانسجاما، وكلهم أمل في ان تساهم زيارة البابا، رسول السلام، الى بلادهم في تكثيف هذا التلاحم والانسجام، الذي ما كان ليتحقق في ارض السلام، لولا حكمة مرجع السلام، وتضحيات أبطال السلام.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here