بقلم // قاسم العجرش

منذ أن حاول الإنسان الحصول على إجابات مقنعة، للأسئلة الضخمة، التي تدور حول وجوده وخلقه وماهية ذلك، كان الدين أول ما اهتدى اليه العقل البشري، للإجابة عن تلك الأسئلة.
على طول خط الحضارة الإسلامية لأربعة عشر قرن مضت؛ منذ إنبلاج فجرها في القرن السادس الميلادي، كان هنالك مفهوم تعتنقه الأمة، هو أن الدين منهج للسلوك وطريق للحياة..الحياة بكل تفاصيلها ومحاورها، وكانت السياسة دوما محورا أساسيا في حياة الناس، بنفس القدر الذي فيه الدين ضابطا عقلائيا فعالا؛ لمجمل فعالياتهم الحياتية..
جميع الأديان الإلهية بما فيها الإسلام، تُعنى بالسياسة والعلم والحياة والإقتصاد والمجتمع، ويدير الدين حياة الإنسان؛ على كافة الصعد ومنها الصعيد السياسي.
لغاية منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، لم يثر اي نوع من أنواع الجدل الفكري، حول مفهوم العلاقة بين الدين والسياسة..وإسلاميا فإن الفكر الإسلامي إستقر على أن السياسة جزءًا من الدين، وأن الإسلام دين ودولة، بل هو نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا.
في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، نشأت في أوربا فكرة العلمانية؛ كردة فعل على الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الكنيسة، وتطبيقها الخاطئ للدين، وترسيخها لنموذج الدولة الثيوقراطية، التي يحكم فيها رجال الكنيسة باسم الإله، وتلك مفاهيم لا تمت لنظام الحكم الإسلامي ومبادئه بصلة.
الفكر الإسلامي في السياسة؛ يرى أن السياسة تحتاج إلى الدين؛ لكبح جماح القائمين عليها من الاستقواء بالسلطة أو الغرور بالقوة، أو الانحراف إلى الفساد والانغماس في الشهوات، والدين وبمنظومته المتكاملة في الثواب والعقاب دنيويا وأخرويا، قادر وبكفاءة عالية؛ فيما لو خلصت النيات وأُحسن التطبيق، على أن يوجه السياسة نحو الحق والخير، ويعصمها من الظلم والشر.
الفكر السياسي الإسلامي في عمومه، بنية متكاملة مترابطة بين الأصول الدينية، والجذور الشرعية، والبيئة الإسلامية، والتجربة التاريخية، وحسبنا عهد علي عليه السلام الى مالك الأشتر عندما ولاه مصر، كنموذج راق متكامل لما يجب أن يكون عليه الحكم.
فكرة العلمانية تعني بإختصار شديد، فصل الدين عن الدولة، والحقيقة أنها في جوهرها دعوة الى فصل الدين عن الحياة، وهي لا تنكر وجود الله تعالى، بل ترى أنه (تبارك وتعالى) خلق الأشياء وترك إدارتها للبشر، وأن دوره أنتهى عند هذا الحد، فقد أنجز “ما عليه”، و”عليه” أن يتقاعد ويجلس في الكنيسة أو دور العبادة، حيث يمكننا الذهاب اليه هناك؛ لنشكره على ما انجز ونحتفي به!
الحقيقة أن أطروحة العلمانية وبظروف نشأتها التي اشرنا اليها، تمثل إشكالية فكرية تعبر عن هموم الواقع الغربي آنذاك، وقد وجد الواقع الغربي السيء، له ما يناظره في العالم الإسلامي، حيث يحكم سلاطين آل عثمان؛ بأسم الخالق جل ثناؤه وتقدست آلاؤه، حيث نصبوا انفسهم خلفاء عنه، يحكمون المسلمين بالظلم والجور، فكان من الطبيعي ان تجد العلمانية من يعتنقها، في الواقع الإسلامي الذي نُقلت إليه يرشاقة.
المحصلة أن العلمانية غريبة عن مجتمعنا الإسلامي، وهي فكرة مستوردة ليست من صميم الإسلام، ولا من إنتاج المسلمين أو مفكريهم.
كلام قبل السلام: إذا ابتعد السياسة عن الأخلاق، وافتقرت الى الفضائل، وتغلبت عليها الممارسات الشيطانية، وسيطرت عليها المصالح النفسية، والطباع الصبيانية للأشخاص والجماعات، وأذا تولى الأمر أشخاص يمتازون بقصر النظر، وغياب البصيرة، وخرج زمام الأمور من الأيدي القوية، وجدت العلمانية مرتعا لها، ووقع الحكم في أيدي من هم غير أكفّاء..كما هو حاصل..!
سلام..

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here