كنوز ميديا / تقارير

يسود الساحة الإعلامية المصرية خطاب موجّه لطمأنة المواطنين بشأن قضية سد النهضة، يروج لانتهاء الأزمة وعدم وقوع أي ضرر محتمل على مصر بسبب الملء الثاني المرتقب.

ويكشف مصدران مطلعان، أحدهما فني في وزارة الري والآخر إعلامي، أن المخابرات العامة أصدرت تعليمات لوسائل الإعلام وعدد من الإعلاميين مقدمي البرامج الرئيسية، بإشاعة مناخ من التفاؤل والتأكيد على فشل إثيوبيا في الملء الثاني، استناداً لتصريحات تداولتها وسائل الإعلام بشكل غير دقيق على لسان وزير الري الإثيوبي سيليشي بيكيلي، خلال ندوة حضرها في 2 يونيو/حزيران الحالي في جامعة في جنوب إثيوبيا.

وعلى الرغم من أن بيكيلي أكد في كلمته أن “الملء الثاني سيتم إنجازه في 22 يوليو/تموز المقبل، وسيبدأ توليد الكهرباء في 22 أغسطس/آب المقبل”، ولكن أُشيع أنه “اعترف بفشل الملء”، وأنه “سيتم تعلية القطاع الأوسط من السد إلى 573 متراً فقط بدلاً من 595 متراً”. ما يعني عجز بلاده عن إنجاز الملء الثاني كما كان مقرراً بحجز كمية 13.5 مليار متر مكعب من المياه، والاكتفاء بحجز كمية لا تزيد عما تم حجزه العام الماضي بين 7 و9 مليارات متر مكعب، وهو ما يكفي بالفعل لتشغيل اثنين من التوربينات الجديدة الخاصة بتوليد الكهرباء.

سيتم تعلية القطاع الأوسط من السد إلى 573 متراً فقط بدلاً من 595 متراً

وقبل بيكيلي، سبق أن تحدث مصدر إثيوبي في 10 مايو الماضي، بأنه سيبدأ في كل الأحوال، توليد الطاقة الكهربائية في أغسطس المقبل، وأن الخطط التنموية في مجالات عدة، بالشراكة مع دول أخرى مرتبطة ببدء التوليد في هذا التوقيت، وأنه من الضروري لتحقيق ذلك إتمام الملء الثاني. وبحسب المخطط الإثيوبي، فسوف يتم توليد نحو 750 ميغاوات من وحدتين مكتملتين الآن لإنتاج الكهرباء، وتولد كل وحدة 375 ميغاوات، ويبلغ معدل إنجاز المشروع الإجمالي حاليا نحو 80 في المائة. ففي الأسبوع الأول من مارس/آذار الماضي تم تركيب أول أنبوبين ضخمين من الأنابيب المخصصة لنقل المياه من بحيرة التخزين الرئيسية إلى المحطة الكهرومائية لإنتاج الطاقة، وذلك بالتعاون مع شركتين إيطالية وفرنسية متخصصتين في هذا النشاط. ومن المقرر تركيب أربعة أنابيب أخرى بعد بدء التشغيل التجريبي لإنتاج الكهرباء.

وحول هذه التطورات، يوضح مصدر فني مصري، أن هناك رغبة من السلطات المصرية في طمأنة المواطنين، بعد حالة الهلع التي سادت الأجواء جراء التصريحات المتضاربة لوزيري الخارجية، سامح شكري، والري محمد عبدالعاطي. لكن حتى مع التسليم بوجود مشاكل فنية منعت إثيوبيا من استغلال بدء الفيضان السنوي مبكراً، فإن القضية تتعدى مسألة كمية المياه المحجوزة، لأنه في كل الأحوال، حتى مع نجاحها في حجز كمية المياه المستهدفة بالكامل، فلم يكن المواطن المصري سيشعر بضرر جسيم في هذه المرحلة من الملء.

وينوّه المصدر إلى أن المناسيب التي سجلت حتى الرابع من يونيو الحالي في جميع السدود السودانية والمصرية آمنة للغاية، ولا تعبّر عن بدء الملء فعلياً، موضحاً أنه على الرغم من توافر المتطلبات المائية لبدء الملء مع تصريف كميات كافية إلى بحيرة سد الروصيرص، فإن المشاكل الفنية في السد التي تتعلق بالتعلية الوسطى تحديداً “ربما لا تمكّن الإثيوبيين من الملء المبكر، أو قد تسمح بذلك مع عدم وصول الملء للمعدلات المرجوة سريعاً”. وبحسب المصدر، فإن مصر ترصد تباطؤاً متزايداً في إنجاز التعلية الوسطى، ربما يتعلق بنقص حاد في عدد الأيدي العاملة على خلفية التوترات التي يشهدها إقليم بني شنقول ـ قمز الإثيوبي الذي يقام مشروع السد على أرضه.

وفي الوقت ذاته يستبعد المصدر، الذي شارك من قبل في عملية التفاوض مع الإثيوبيين، أن يعترف وزير الري سيليشي بيكيلي، بنفسه، بفشل التعلية الوسطى أو انخفاض معدلات الإنجاز في السد، نظراً لكونه من المسؤولين الأكثر تشدداً في بلاده تجاه مصر والسودان. كما أنه يتمسك دائماً بأن الملء الثاني لن يرتب أي ضرر على دولتي المصب.

المناسيب التي سجلت حتى 4 يونيو الحالي في جميع السدود السودانية والمصرية آمنة للغاية

ويشير المصدر إلى أن الشيء الأكيد حتى الآن، هو أن التعلية الوسطى للسد أنجزت بحوالي 566 متراً، ويتبقى 29 متراً لتحقيق الارتفاع المستهدف، وأن الجدول الزمني المناسب لتحقيق ذلك والاستفادة منه لحجز الكمية المطلوبة هو أن يتم الانتهاء من الإنشاءات خلال 25 يوماً على الأكثر. لكن هذا الأمر يعني أنه في خلال عملية الملء ذاتها، سيتم الحجز بصورة تعسفية من دون السماح بتمرير أي كميات من المياه لسد الروصيرص، لتعويض ما فات الإثيوبيين من وقت.

وهنا تتضح أهمية الطلبات المصرية والسودانية السابقة بالإدارة المشتركة لفترات الملء والتشغيل، لأن غياب المعلومات وانعدام الشفافية من قبل الجانب الإثيوبي، والترصد المتبادل، يعرقل الاستجابة المشتركة للتغيرات الفنية والمناخية الطارئة. كما يحيط الإجراءات بالغموض وصعوبة توقع المشاكل الوارد حدوثها.

وإلى جانب هذه المسألة، فإن حجز أي كمية من دون الإخطار بها سلفاً، ومن دون منح دولتي المصب الوقت الكافي لتدبير احتياجاتها، يُصعّب قبول استمرار الوضع الحالي المفتقر إلى اتفاق شامل وملزم على قواعد الملء والتشغيل، لأنه يهدد بتكرار حالة الغموض هذه كل صيف، بما في ذلك السنوات التي ربما تشهد انخفاضا في كميات الأمطار أو فترات الجفاف الممتد.

المصدر: العربي الجديد

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here