كتب // حسن حامد سرداح

قبل عدة شهور وفي جلسة مع زملاء المهنة حصل نقاش انتهى بجدال بشأن الاستعانة بامريكا لتحقيق الاستقرار والحفاظ على الديمقراطية، فكان من بين الزملاء من يدافع عن فكرة الاحتماء بالامريكان لضمان الامن الداخلي ومنع التدخلات الخارجية، وهي فكرة اعلنت معارضتي لها بشدة باعتبار ان التاريخ يحتفظ بالكثير من المواقف التي لا تحتمل التفسير عن تخلي الامريكان عن حلفائهم واستعنت حينها بعدة امثلة كان بينها تسليم ادارة الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب اكراد سوريا لداعش وتركيا، وكيف جعلتهم يواجهون مصيرهم منفردين من دون تقديم اية مساعدة بعد سنوات من رعايتهم وهو منهج اعتادت عليه امريكا منذ تقديم نفسها راعية لدول العالم.

تذكرت تلك الحادثة والجدال العقيم الذي لم افلح حينها باقناع الزميل، بان امريكا ليس لديها صديق دائم، خلال مشاهدة الاخبار العاجل ومقاطع الفيديو التي توثق دخول مقاتلي حركة طالبان العاصمة الافغانية كابول “بدون قتال” بعد أكثر من شهر على انسحاب القوات الامريكية بقرار من الرئيس بايدن، وكيف تحولت المدن الافغانية خلال اسابيع إلى مناطق يخيم عليها “الخوف” والترقب مِن المجهول بسبب سياسة طالبان المعروفة والتي جربها الافغان في سنوات التسعين،.. لكن الاكثر من ذلك، مشهد انسحاب القوات الافغانية التي يتجاوز عددها ثلاثمائة الفا من الشوارع والمعسكرات تاركين اسلحتهم ومعداتهم لمقاتلي طالبان الذين لا يتجاوزن عددهم باحسن الاحوال نحو خمسة وسبعين الف مقار، إضافة إلى الخبرة التي كان من المفترض ان تمتلكها القوات الافغانية بعد عشرين عاما من التدريب على يد القوات الامريكية، كيف تبخرت تلك القوات وماذا حصل؟، اسئلة اجابتها موجودة في الانسحاب الامريكي واخلاء سفارة واشنطن في كابل.

لكن.. القصة لها بداية واضحة منذ الاتفاق الذي عقد بين واشنطن وحركة طالبان في العاصمة القطرية الدوحة، في شهر شباط من العام 2020، والذي كانت اهدافه واضحة بتسليم افغانستان للحركة المتطرفة مقابل تنفيذ سياسة امريكا في المنطقة حتى جاء الوقت المناسب لتجد ادارة البيت الابيض فرصتها في ايجاد قوة تهدد التقدم الصيني والروسي والايراني وخاصة بعد الاتفاق على تفيد مشروع طريق الحرير والذي سيجعل التنين الصيني وحلفائه الجهة المتحكمة بالاقتصاد العالمي، اضافة إلى خلق محور يشمل العراق وسوريا وتركيا، يختلف عن المحور الامريكي، في حين يتركز السبب الاخر على خلق تهديد مباشر لايران من خلال زرع حركة اسلامية متطرفة تعادي “الفكر والمذهب الشيعي” الذي تدين به الدولة الايرانية على الرغم من وجود علاقات بين طالبان والقيادات الايرانية، لكن تقارب الحدود الجغرافية ووجود الفكر المتطرف، قد يكون عاملا اساسيا في انهاء تلك العلاقة خلال الفترة المقبلة، وهذا ما تريده امريكا من خلال اشغال المنطقة بصراع جديد.

ولعل من اكثر المشاهد حزنا، مقاطع مصورة تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي لسقوط مواطنين افغان من احدى الطائرات بعد مغادرتها مطار كابول كانوا يتمسكون باطاراتها للهرب من طالبان، واخرى لصالونات حلاقة للنساء قام اصحابها بطلاء الواجهات لازالة الصور بعد دخول طالبان إلى كابول ليكون اول انذار لانتهاء الحريات المدنية في تلك المدينة وبداية عصر جديد يذكرنا بايام سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل ومحافظتي صلاح الدين والانبار، وكيفية ممارسة طقوسه في فرض تعاليمه التي استمرت لثلاث سنوات، قبل ان تحررها القوات الامنية بجميع صنوفها،.. نعم المشهد في كابول وبقية المدنية الافغانية اعاد للأذهان تلك الايام، وخلق مخاوف جديدة من تكرار السيناريو ذاته في حال انسحاب القوات الامريكية المتوقع نهاية العام الحالي 2021، لكن المعادلة قد تختلف هذه المرة وهي معلومة تدركها واشنطن، فوجود القوات الامنية وخاصة الحشد الشعبي رغم استغلال اسمه من بعض الفصائل لتحقيق مصالح شخصية اساءة للدولة ومؤسساتها، جعل المهمة صعبة جدا على التنظيمات الارهابية والمخططات الامريكية.

الخلاصة.. ان النهج الاسلامي المتشدد حينما تفرض حركاته سيطرتها على الارض تكون بدايتها الترغيب لاقناع الناس بان التغيير لصالحهم.. لكن بعد تثبيت جذروها تنطلق المجازر وحفلات الاعدام الجماعي لجميع من يخالف الاوامر او يختلف معهم في المنهج، كما فعلتها داعش سابقا، وننتظر ما ستقدم عليها طالبان خلال الايام المقبلة.. اخيرا.. السؤال الذي لابد منه.. هل سيتعظ ساساتنا من نهاية اصدقاء امريكا في افغانستان؟.. لان ببساطة، المتغطي بامريكا عريان..

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here