كنوز ميديا / تقارير

فقدت الحوزة العلمية في النجف، أمس الجمعة، أحد أكبر مراجعها، وهو آية الله محمد سعيد الحكيم، والذي كان يعد من أبرز المرشحين لخلافة المرجع الديني الأعلى علي السيستاني.
وقد أعلنت الحكومة العراقية يوم أمس، الحداد الرسمي بعد وفاة الحكيم إثر سكتة قلبية مفاجئة، فيما تجمع المئات من مقلديه وتلامذته أمام المستشفى بانتظار إجراءات التشييع، التي تنطلق صباح اليوم السبت.
وقد نعت الرئاسات في العراق، رحيل الحكيم بالاضافة الى بعثات دولية، حيث جاء في نعي رئيس الجمهورية برهم صالح، ان “سماحة السيِّد الحكيم علماً من أعلام الأمَّة الإسلامية الذين قرنوا العلمَ بالعمل في ترسيخ قيم العدل والإيمان والمحبَّة والسلام، بصبرٍ جميل وجهادٍ طويل، برغم المحن العسيرة التي أحاطت به، عبرَ مسيرته العلمية الجهادية الشريفة”.
فيما أشار رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي خلال نعيه الحكيم، الى ان “روح العالم الجليل لقد فاضت إلى خالقها بعد عُمرٍ قضاه في خدمة العِلم والفقه والدرس والاجتهاد والتوفيق بين قلوب المسلمين، وقد بذل سنوات عزيزة من عمره المبارك في الجهاد ضد الطاغية وتعذّب في سجونه أشد عذاب، وبذل جهده ومضناه في جمع الأمة إلى كلمة سواء كما أرادت الرسالة المحمدية السمحاء”.
في حين تقدمت السفارة الامريكية في بغداد، بالتعزية ايضا بوفاة الحكيم قائلة “تتقدم سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق نيابة عن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بخالص العزاء للأمة الإسلامية واتباع مذهب اهل البيت والمراجع العظام وبالخصوص أسرة الفقيد، بوفاة المرجع الديني الكبير اية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره) والذي كان عنوانا للسلام والمحبة والوئام في ربوع المنطقة”.
وعرف عن المرجع الحكيم استقباله للعديد من السياسيين والمسؤولين في العراق وخارجه، وكثيرا ما تعتبر آاراؤه كاشفة عن آراء المرجع الأعلى علي السيستاني.
في الاثناء، قال مصدر مقرب من أسرة الحكيم، في حديث إن “الأخير كان يقضي فترة نقاهة عقب خروجه من المستشفى على إثر خضوعه لعملية جراحية ناجحة”.
وأضاف المصدر، أن “المرجع الحكيم خضع لإجراء عملية فتق بطن مطلع الأسبوع الماضي، وكانت ناجحة، لكن وفاته جاءت بعد تعرضه لسكتة قلبية”.
وقد ولد الحكيم في النجف عام 1936، وهو نجل اية الله محمد علي الحكيم، وحفيد المرجع الأعلى الراحل محسن الحكيم، وهو مرجع شيعي معاصر، ويعد واحداً من أربع مراجع كبار في النجف.

وتلقى الحكيم تعليمه الديني في الحوزة العلمية منذ طفولته، وكان تلميذ محسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي، وبعد الانتهاء من تعليمه، توجه الى تدريس الفقه وأصول الفقه والأخلاق والتفسير.
وقد دخل السجن مع أكثر من 60 شخصا من عائلته، في العام 1983 حتى عام 1991 بسبب تشديد النظام البعثي السابق من إجراءاته القمعية ضد رجال الدين والأحزاب الدينية على إثر نجاح الثورة الاسلامية في إيران.
وبحسب سيرته الذاتية، فقد كان مهتما بالتدريس والتأليف منذ بدايات شبابه، حيث كرس وقته لتطوير المستوى العلمي للكثير من الشباب في الحوزة العلمية، من خلال مباشرة تدريسهم ومتابعة جهودهم العلمية”، تاركا نحو 24 مؤلفا، منها “المحكم في اصول الفقه، مصباح المنهاج والكافي في اصول الفقه”.
وكان الحكيم من أبرز المراجع المرشحين لخلافة السيستاني، الى جانب كل من: محمد إسحاق الفياض، ومحمد باقر الإيرواني، وهادي آل راضي ومحمد السند.
وتعد الحوزة العلمية في النجف، هي العاصمة الدينية والاجتماعية للشيعة في كل العالم، ويعود تأسيسها الى عام 448 للهجرة، حيث توجه الى كبير علماء الشيعة في ذلك العهد، الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، من بغداد الى النجف، ومنذ ذلك الحين تحولت النجف الى جامعة كبرى، بالاضافة الى رمزيتها الدينية حيث تحتضن ضريح الامام علي بن ابي طالب.
وقد توجه العديد من الطلبة الى النجف، للدراسة في الحوزة، وبرزت منذ القرن الثالث للهجرة أسماء علمية عديدة، وعلى الرغم من أنّ الحوزة العلمية في النجف هي الحوزة الشيعية الوحيدة التي لم تنقطع فيها الدراسة والإنتاج العلمي وتخريج الفقهاء والعلماء منذ تأسيسها وحتى الآن، إلا أنّها مرت بفترات محدودة من فقدان مركزيتها، بسبب انتقال الزعامة الشيعية منها إلى مدن عراقية أُخرى أو إيرانية أو لبنانية.
وبشأن اختيار المرجع الأعلى في النجف، فان الطريقة لا تزال تقليدية ومتوارثة منذ مئات السنين، وتتمثل في الإجماع النسبي للوجوه الدينية والعلمية الأبرز في الحوزة على شخصية معينة بعد رحيل المرجع الأعلى السابق، إذ يسمون في العرف الحوزوي بـ”أهل الخبرة”، وهم أساتذة البحث الخارج وبعض أساتذة السطوح العالية، وهناك فاعلون في هذا المجال من (حواشي) مكتب المرجع الأعلى وبيوتات مراجع الصف الأول، يطلق عليهم المراقبون “جماعات الضغط” أو “جماعات المصالح”، لوجود أفراد بينهم ليسوا من أهل الخبرة. ولكن يبقى دور جماعات المصالح تكميلياً وترجيحياً وليس أساسياً.
ومنذ العام 2003، شهدت الحوزة العلمية في النجف نهضة نوعية في ظل سقف الحرية الذي تنفسته عقب سقوط النظام البعثي السابق، فقد كان عدد منتسبي حوزة النجف في العام 1967 يبلغ حوالي 16 ألف طالب وأُستاذ، حيث انخفض إلى 500 فقط في العام 1991، بعد تضييف الخناق عليها من قبل النظام الدكتاتوري السابق.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here