بقلم // ضحى الخالدي

أرجو أن يكون المواطنون المترقبون لموقف المرجعية من الانتخابات مستعدين لتنفيذ أوامرها الأبوية، فانتظارهم لموقف المرجعية ورأيها دلالة على وجود بصيص من الأمل لدى المواطن تجاه هذه الانتخابات المزمعة، وصدور بيان المرجعية الملزم بالمشاركة، لا يدع مجالاً للاختيار بين المشاركة، أو عدمها؛ بيان اكتسب قوة هائلة من ناحية الدعوة الى المشاركة، والتحذير من مغبّة المقاطعة، وتحديد آليات حازمة للتصويت على المرشح الأمثل، فالاستجابة لهذه الدعوة الأبوية لا بد أن تأتي في إطار مشابه لاستجابتهم المشرّفة لفتوى الجهاد الكفائي، فالبيان يحمل من معاني الدعوة الأبوية، والتحذير والإشفاق على مستقبل الشعب العراقي، وتحديد المعايير الملزِمة، ما يحمل.

أما تأييد قادة الكتل السياسية والمسؤولين الحكوميين لهذا البيان، كما هي العادة في تأييد توصيات المرجعية السابقة دون تنفيذ، فإن المرجعية هي صمام أمان المجتمع، ويدرك المسؤولون المؤيدون خطورة الوضع القائم، وإشراف السفينة على الغرق مما يعني التعلق بقشة، ولا تملك الكتل السياسية إلا الانصياع لإرادة المرجعية ولو لفظياً نتيجة الإفلاس السياسي لمعظمها، وإن عدم تطبيق توصيات المرجعية في قابل الأيام يحمل تداعياته الخطيرة على مستقبل البلاد،والتي سيتحمل مسؤولياتها مَن يحاول الانتحار سياسياً لهاثاً وراء المطامع.

لا بديل عن الانتخابات لحل الانسداد في العملية السياسية، والبديل هو الفوضى كما نعلم، وهو ما أكدته المرجعية، وإنْ لم تكن الانتخابات هي الغاية بعينها، أو الحل الناجع، إنما هي الوسيلة الأسلم، وكلي أمل بأن يستجيب الشعب العراقي لدعوة المرجعية في اختيار الأصلح، وعدم التصويت للفاسدين سواءً منهم مَن شارك سابقاً في العملية السياسية، أو مَن هو معروف بفساده في دائرته الانتخابية، فإن إعادة تدوير الفساد مع تغيير الوجوه، يحوّل الأروقة السياسية الى مكب للنفايات متعدد الأصناف والأشكال، لم نحصد منه سوى حكومات ضعيفة وكتل برلمانية متناحرة، ومسؤولين فاسدين، وبتكرار ذات المقدمات تتكرر ذات النتائج باحتراق الشارع العراقي، وسقوط الحكومات، وتكبّد أفدح الخسائر في الأرواح والأموال.

ليست العبرة بتبديل الوجوه، أو بالإتيان بجديد، فبعض البرامج السابقة كانت مفيدة لبناء البلد وقوته كمذكرات التفاهم مع الصين، وميناء الفاو، ومشروع البنى التحتية، وتسليح الجيش العراقي وبقية الصنوف العسكرية والأمنية؛ ومشروع البترودولار؛العِلّة تكمن في القدرة على تنفيذ هذه البرامج.

إقرار مثل هكذا مشاريع برلمانياً يحتاج كتلة أكبر قوية عابرةً على الأنانيات الفردية والحزبية، وتشكيلها يحتاج ائتلافاً بين عدة تحالفات وأحزاب تضع في حسبانها التهديدات الوجودية للمكوّن الأكبر، وتضع مصلحة البلاد والعباد بعين الاعتبار، وهو ما تعجز عنه كتلةٌ حزبيةٌ مَا بمفردها. ولقد نوهنا منذ بداية المداولات بخصوص قانون الانتخابات الحالي، وازدياد نسبة المشاركين المستقلين من مختلف التوجهات، الى أن ذلك سيربك العملية السياسية ويعرقل مسيرتها نتيجة اختلاف الرؤى والتوجهات، فالديموقراطيات الرصينة كلما نضجت قلّ عدد الأحزاب السياسية فيها، بينما نجد العكس في الحالة العراقية من خلال تضاعف أعداد الأحزاب، وزيادة عدد المرشحين المستقلين بشكل غير معقول كمّاً ونوعاً، بعكس ما نجده في الديموقراطيات العريقة كبريطانيا وأمريكا وفرنسا وألمانيا.

ولا يزال إعلامنا يحبو في مجال رفع مستوى الوعي لدى المتلقي في كل الميادين، وليس فقط الناخبين، لكنه يحاول على الأقل.

جاءت توجيهات المرجعية للشعب العراقي باختيار المرشحين الذين يحافظون على سيادة العراق وأمنه لتضع الجميع على المحك، فوجود احتلالين أميركي وتركي على أرض العراق، إضافةً الى الإرهاب الداعشي والنفوذ الإقليمي لا سيما الخليجي هو مما يضر بسيادة العراق وأمنه، أضف الى ذلك شرط الحرص على ازدهار العراق، والعمل تحت مظلة الدستور، والتمسك بثوابت الشعب العراقي الأصيلة يعني استبعاداً لكل من يقف الى جانب بقاء قوات الاحتلال على أرض العراق، وكل الداعمين للإرهاب والتغلغل الخارجي، واستبعاد الفاسدين الذين دمروا العراق بسياساتهم الاقتصادية والمالية البائسة التي خيبت ظنون العراقيين، ولم تقدم لهم الخدمات وفرص العمل والرعاية الصحية والتعليمية التي يستحقونها، بل وحرمتهم من اللحاق بركب التقدم في المنطقة؛ واستبعد البيان كل من يدعو الى الانسلاخ عن ثوابت المجتمع العراقي وقيمه الأصيلة، فلا مكان لدعاة التطبيع والإلحاد والشذوذ والتهتك والتخريب في الخارطة السياسية المقبلة، وما على الكتل السياسية الإسلامية إلا التعاطي مع هذا البيان كفرصة أخيرة للحؤول دون السقوط بالبلد نحو الهاوية، ولات حين مندم، لأنه كما يبدو فإن اشتراطات المرجعية هذه تحاكي توجهاتها وأهدافها ومنابعها الآيديولوجية، دون تحديد كتلة محددة، أو دعمها.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here