بقلم //علي عنبر السعدي 

ظهرت جرائم الاغتيال السياسي ،مع مسار البشرية من طور الجماعات المتنقلة بحثاً عن الصيد والكلأ ، الى المجتمعات المستقرة ونشوء دولة تفرض سيطرتها على تلك المجتمعات ،بواسطة قوانين ملزمة التطبيق . 

بناء أول مدينة بعد الطوفان (كّيش ) كما تشير الألواح السومرية ، كانت بمبادرة قام بها بناؤون وعمال ، وبعد اكتمالها ،اختار أهلها ،رجلاً حكيماً ليدير شؤونها ” ايتانا “. 

مع تكاثر المجتمعات ، احتاجت الدولة الى قوة أكبر وقوانين أكثر صرامة ،ما خلق حالة من التصادم بين المجتمع والدولة من جهة ،وبين جماعات واسر تطمح في الحكم وتسعى اليه ،ثم مع توسع الدولة في غزو شعوب أخرى للهيمنة عليها والاستيلاء على مواردها ،نشأ نوعان من الصراع : الاستيلاء على السلطة في البلد ذاته – والاستيلاء على مقدرات الشعوب في بلدان أخرى .

ذلك ما خلق بحث القوى المتصارعة ، على وسائل الإطاحة بالخصوم وتصفيتهم – معنويا أو جسدياً – .

الشخصيات القيادية أو المحورية – سواء السياسية منها أو الدينية أو الاثنية – تشكل موضع حيوية وقدرة على التعبئة واجتذاب مصادر القوة وتجميعها وقوة القرار وامكانية تنفيذه ،ما يعرقل تحيق أهداف القوى المعادية ، سواء الساعية الى السلطة ،أو العدو الخارجي .

لذا فالعمل على ازاحتها ، يشكل جزءاً مهماً من المخططات الساعية الى اقامة حكم بديل ، أو ازاحة حكم جائر ، او كسر ارادة شعب والتأثير على معنوياته .

وتنقسم جرائم الاغتيال السياسي ،بحسب وسائل التنفيذ ،فمنها ما يحافظ على سرية التنفيذ والجهة المخططة لذلك ، دون الاعلان عمن قام بالعمل ،لكن النتائج باستهداف اشخاص بعينهم ،تبقى ذاتها في الجوهر .

الاغتيال غالباً مايكون فردياً ،وهو قتل “مع سبق الاصرار والترصد ” أي ان ما يغلب على هذا النوع من الجرائم ،هو النية والتخطيط والرصد واستطلاع الهدف ومكان تواجده وطبيعة حركته ،ثم اختيار الوقت والمكان والسلاح المناسب لتحقيق العملية ،ويلاحظ في كل تلك المراحل ،أهمية الشخص والموقع الذي يشغله ،ومقدار مايمكن ان تتركه تصفيته الجسدية من ارباك أو تأثير في الخصوم أو الأعداء.

الشخص المستهدف في مكان قيادي ،غالباً ما يجري التمهيد للاغتيال الجسدي ،باستهداف معنوي ، يتناول شخصيته وحياته وسلوكياته ومدى خطورته ، ليكون اغتياله مما يمكن قبوله ،بنظر الجهات – السياسية او المجتمعية – المؤيدة او المساندة للجهة المنفذة .

أول عملية اغتيال سياسي سجلها التاريخ ،هي اغتيال الملك الآشوري (سنحاريب ) بعد عودته من غزو ،وقد استخدمت فيها الخديعة والتحريض والصراع على السلطة والانتقام ،أي ان أكثر من طرف شارك فيها ،بما فيهم خاصة الملك ذاته .

أما آخر جرائم الاغتيال ،فهي اغتيال الجنرال سلي/ماني ،وجم/ال المهندس القيادي البارز في الحشد ، وهي من المرات القلائل التي تعلن فيها دولة وبشكل رسمي ،مسؤوليتها عن الجريمة ، وكانت اسرائيل قد فعلت ذلك في مرات عديدة ،كاغتيال قيادات فلسطينية بارزة – القادة الثلاثة في بيروت – و ابو علي مصطفى – أحمد ياسين – والرنتيسي وغيرهم 

الجنرال سليم/اني الذي شكل مصدر اقلاق متواصل للقوات الامريكية وحلفائها في الشرق الأوسط ، بما يقوم به من تحرك فاعل مكّن من الانتصار أو الصمود ،في اربع ساحات رئيسة من المواجهة : العراق ضد داعش – الحوثيون بمواجهة الحلف السعودي /الامارتي – ح. الله وحركة حم..اس في مواجهة اسرائيل .

لكن كيف تعامل القانون الدولي مع جرائم الاغتيال ؟

صدرت الكثير من اللوائح الدولية التي تشير الى جريمة الاغتيال السياسي ، منها قرار لمعهد القانون الدولي بجنيف عام 1892 ،اعتبر ” أن الجرائم المرتكبـة ضد أي كيان اجتماعي ، لا تعد جرائم سياسية كما هو الحال بالنسبة للجرائم المرتكبة ضد أي دولة محددة أو شكل حكومي.

كما عرفت الجرائم السياسية ، انها الجرائم الموجهة ضد الدولة ، والجرائم ضد حقوق المواطن التي تشتق منها.

وهكذا تركت ثغرات في اللوائح والقوانين الدولية ،نفذت منها بعض الدول والأنظمة ،لممارسة جرائم الاغتيال ، دون رادع فعلي من المجتمع الدولي ، ووجد مرتكبو تلك الجرائم ،من يجادل في اعتبار ان كانت جريمة سياسة أم جريمة اعتيادية تفعلها الدولة للدفاع عن امنها – كما تزعم – .

ارتكبت أمريكا جريمتها في اغتيال مكشوف ومعلن عنه بلسان ترامب ، بعد أن مهدت لذلك بواسطة اعلامها والاعلام الموالي لها ، بتركيزهجمات مكثفة اعلامياً وسياسياً ، تخللها الكثير من التزييف والتحريض ، ما جعل فعل الاغتيال ، لايواجه بردود أفعال ،يجعل أمريكا أو غيرها ،تمتنع عن ارتكاب جرائم كهذا .

لكن الأهداف التي توختها أمريكا من اغتيال هذين القائدين ،لم تتحقق ، فقد ازدادت القوى التي قادها الشهيدان – قوة وحضوراً سياسياً وشعبياً – كما زاد نفوذ وتأثير تلك القوى في ساحاتها ،وقد شكلت عملية الاغتيال ،حافزاً اضافياً لها في كل ساحة . 

(*) من أشهر الشخصيات التي تعرضت للاغتيال السياسي المعلن عبر التاريخ هي :

– سنحاريب 

– يوليوس قيصر

– الامام علي 

– ابراهام لنكولن 

– ولي عهد النمسا 

– المهاتما غاندي 

– جون كنيدي 

– لوثر كينج 

– السير برنادوت

– أنور السادات 

– بنزير بوتو

– بو يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان 

– أبو حسن سلامة 

– رابين 

– أحمد ياسين ،وعبد العزيزالرنتيسي ، ورمضان شلح 

– باسل الكبيسي 

– أبو علي مصطفى 

– عباس الموسوي 

رينية معوض – رئيس لبناني 

– رفيق الحريري 

– جورج حاوي 

– عماد مغنية 

– المهندس 

– سليم/اني

مايلاحظ ان كلَ هؤلاء ،تم اغتيالهم جسدياً ، كما تعرّض أكثرهم لحملة من الاتهامات ، لتبرير فعل الاغتيال .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here