بقلم // واثق الجابري

تتأرجح السياسة العراقية، بين دعوات الأغلبية والتوافقية وبينهما حل وسط، عند معرفة شروط الأغلبية والمعارضة وأسباب التوافقية.

بنيت العملية السياسية على مرتكزات وثوابت لا يمكن تجاوزها، وإن كان بعضها يعيق أداء الآخر، فهي ديمقراطية بالمعنى، تتيح حرية الرأي والتعبير، ومن شرطها حكم الأغلبية السياسية وتمثيل شعبي، أي أن أغلب من يحكمون يمثلون أغلب السكان، وتعددية تسمح للمواطنين تأسيس الأحزاب والترشيح الفردي والجماعي والتصويت، إلاّ أن حداثتها وعدم فهم فحواها أدى الى إفراط وتقاطع برامج وانطلقت بإتجاهات متعددة، بعيدة عن الغاية الجماعية، ومستندة الى مخاوف مكوناتية، وحملت مسميات مناطقية وقومية وطائفية، أدت الى تفرق القوى عن المشترك الأكبر، الذي يجمع المكونات والطوائف.

 تتميز الديمقراطية عن الدكتاتورية بتمثيلها الأغلبية التي تفقد تحت ذرائع فرض النظام في سلطة الدكتاتورية، التي لا تتردد بتطبيقها بالإستبدادية، لذا الأغلبية البرلمانية تنبثق منها حكومة أوسع تمثيلاً وأقل خوفاً من اعتراض الشعب، وتخشى الأخطاء كي لا تقع تحت اعتراض الأغلبية الشعبية، فيما إذا حكمت الأقلية فهؤلاء يفرضون سلطاتهم بالقوة، وفي القانون الانتخابي الأخير ثمة تخطٍّ لحساب معنى تمثيل الأغلبية، والمفترض أن يكون عدد المقاعد بما يتناسب مع الأصوات، لكن النتائج أظهرت أن ثلث أصوات الناخبين جلبت ثلثي المقاعد، وثلثا الأصوات لها ثلث المقاعد، وبهذه النتيجة ستكون الأغلبية البرلمانية ممثلة لأقلية الشعب، وإن حكمت فلا تعبر عن ديمقراطية.

 في ظل الإفراط في التعددية، لم تنتج العمليات الانتخابية قوة سياسية قادرة على الحصول على أغلبية المقاعد والتمثيل الشعبي، ومراعية للتمثيل المكوناتي والمناطقي دون التحالف مع قوى أخرى، ولكثرة القوائم والأحزاب لحد الآن، لم تتجاوز قائمة أو حزب بذاته نصف المقاعد الضامن لتشكيل حكومة أغلبية، وبذلك تشكيل الحكومات يحتاج الى توافقية وتكون الحكومة ائتلافية، لكن مخرجات الإنتخابات في كل الدورات لا ينتج لنا تجمعاً أكثر من نصف المقاعد ممثلاً عن أغلبية ضامنة للتمثيل الشعبي والمكوناتي، فتكون العودة للتوافقية أحياناً ضطراراً، ولم تنقسم القوى السياسية طولياً قبل الانتخابات الى كتلتين، لتشكل الفائزة منهما الحكومة، وتذهب الخاسرة الى المعارضة.

إن معظم القوى تراهن على التحالف بعد الانتخابات، لكي تتفرد بحصتها وتضمن هيمنتها على المؤسسات، وبذلك فإن تحالفاتها بعد الإنتخابات، قد تسهم بتفردها وإقصاء غيرها، والهيمنة على المؤسسات، وربما تنتج تحالفات متقاطعة البرامج متبادلة التنازلات، وما افرزته الانتخابات الحالية، مثال لسعي بعض القوى للتحالف البعيد عن التمثيل الشعبي، وفق معطيات النتائج التي لا تتناسب معه، وبذلك تكون الأغلبية البسيطة غير متجانسة من جانب، ومن جانب آخر لا تكون معبرة عن الأغلبية الشعبية، وهذا ينعكس على قوى يراد إزاحتها للمعارضة، فهي متقاطعة من جانب، ومن طيف مكوناتي بذاته، فعند مشاركة 90% من السنة والكورد مثلاً، لابد أن يناسبه العدد نفسه من الشيعة.

الحل الوسط بين الأغلبية غير المعبرة عن التمثيل الشعبي والمكوناتي، والتوافقية الجامعة، التي في معظم تجاربها غير ناجحة، هي بالأغلبية الموسعة، التي تحقق الأغلبية الواسعة وجمع ثلثي أعضاء البرلمان، من أجل ضمان التصويت على الرئاسات الثلاث، لأن رئاسة الجمهورية تحتاج الى الثلثين، ثم تشكيل حكومة بأغلبية مريحة غير قلقة، لا يمكن تهديدها بانتقال مجموعة بسيطة من هذا الفريق الى ذاك، وإلاّ الأفضل ذهاب كتلة كبيرة او كتلتين متماسكتين الى المعارضة لضمان قوة المعارضة، وبذلك هو ضمان لشروط الأغلبية، التي لا تنحصر بعدد المقاعد، وإنما للمحافظة على التوازن السياسي والشعبي، من أجل تشكيل حكومة مستقرة ومعبرة عن الشعب.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here