د. شذى البصري

في نقاش مع صديق أثق بفهمه لواقعنا، تحدثنا حول تأثير السجن الفكري الذي وُضع الزعماء والكتّاب العراقيون فيه، والجدل من خلال حلقات النقاش، وتبادل نشر المعلومات والأفكار بأنواعها الجيدة والرديئة، الإيجابي منها والسلبي.

ويبدو أن هذه الجموع من النخب قد سيقت نحو حلبة للصراع دون إرادتها. وصار من الصعب عليهم المغادرة. الأمر يشبه تعاطي الأفيون، فيكون المنتج المطلوب هو أن تتشكل جميع الآراء والمبادرات والتغريدات “داخل” هذه المجاميع. وهي بالضرورة تضمّ سفراء دول ورجال مخابرات دولية وزعماء كبار، معظمهم يدخلون بأسماء مستعارة.

وننتهي الى أن “التغريدات” التي يطلقها الزعماء للجمهور، سنجد أن فكرتها سبق وأن نوقشت في هذه المجموعات.

إن الحال يشبه حكاية عالم “الدكتور مورو”، العالِم البايولوجي الذي سيطر على حيواناته نصف البشرية، بعد أن نجح في إجراء تعديلات وراثية، جعلتهم يمثلون حالة وسطية بين البشر والحيوان، وصار هو (الخالق) لهم، الذي يتحكم بجميع حركاتهم وتصرفاتهم عن بعد.

الأسماء التي تغرد معروفة، وبعضهم أُريد له أن يكون مقدّساً متماهياً مع المصلحة والتخادم الممكن لتحقيق المكاسب والمغانم تحت مظلة القدسية. والبعض منهم ببساطة مجرّد مريض نفسي، تشكل العقد هاجسه اليومي لكنّه لا يعترف بخطورة مرضه الواقع فيه.

لكن من الواضح لنا أن جميع هؤلاء “الأسرى” في سجن الواتساب والمجاميع الأخرى، أنهم قد وقعوا ضحية جهة ما تحرّكهم، بالضبط مثلما فعل الدكتور مورو مع حيواناته. بينما وقعنا – نحن الشعب – ضحية، لأن قراراتهم – نصفها بشري ونصفها الآخر حيواني غرائزي – تسقط فوق رؤوسنا بنتائجها الكارثية. بالمقابل، فقد فطن لهذا الواقع المؤلم عدد من المحتالين والنصّابين في عالم السياسة، فصاروا يصنعون آراء هؤلاء القادة، عبر ضخ كمّ هائل من التصورات والتخيّلات التي لا أساس لها في الحقيقة أو حتى في المنطق، لكنّها قد تصبح حقيقة لاحقاً. وسيدافع عنها هؤلاء الزعماء باعتبارها آراءً أمريكية أو غربية عموماً. وشاعت عبارة دأبت بعضُ (السماحات) على ترديدها في اللقاءات الخاصة وهي: “رغبة العامل الدولي”، دون أن يتكلّف تسمية هذا العامل، لكنّه بالتأكيد يلمّح الى واشنطن. وينشر ظنّاً بأنّه يمتلك معلومة خاصة، سُرّبت له شخصيّاً دون غيره، بينما هو في الحقيقة قد وقع ضحية فخّ سذاجته السياسية.

جزيرة الدكتور مورو/ The Island of Doctor Moreau، هي رواية من الخيال العلمي، كتبها هـ.ج.ويلز عام 1896. وبطل الرواية هو إدوارد بريدنيك، وهو رجل يتم إنقاذه بعد غرق سفينته، ويجد نفسه في جزيرة الدكتور مورو، العالِم المهووس بخلق حيوانات شبيهة بالإنسان. تتناول الرواية عدداً من الموضوعات الفلسفية، بما فيها الألم والقسوة، والمسؤولية الأخلاقية، هوية الإنسان، والتدخل البشري في الطبيعة.

ومن الغريب أن هذا النص السردي تمت كتابته قبل الثورة العلمية الجينية الحديثة عن كائنات مهجنة وراثيًّا في حال وسطية ما بين الإنسان والحيوان، وقد تحولت أحداث رواية ويلز إلى وقائع درامية في فلم سينمائي أنتج عام 1996م، أي بعد قرن كامل من كتابة الرواية من بطولة مارلون براندو (الدكتور مورو)، وهو فيلم أنصح أن يشاهده جميع القادة في العراق، الشيعة منهم تحديداً.

يسعى الدكتور مورو من وراء تجاربه العلمية الغريبة إلى إيجاد نموذج بشري مثالي (ربما تأثرا بمفهوم نيتشه عن الإنسان الأعلى)، اعتمادًا على تجاربه التي يجريها على مجموعة من الحيوانات المفترسة التي وجدها في جزيرة معزولة، كانت تحيا حياتها الطبيعية قبل أن يخربها ويدمرها .

ماذا لو كان الدكتور مورو في الرواية هو المحركات الخفية التي تقف خلف (الواتساب) او (الفيس بوك)؟

وماذا لو كانت حيوانات الدكتور مورو الذي تخضع للتجارب هم نفس المخلوقات التي تقودنا حالياً؟ ونحن نتلقى جميع الأعراض الجانبية لقراراتهم المختلفة؟

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here