كنوز ميديا / تقارير

على رغم إعلان السلطات العراقية إخلاء قاعدة عين الأسد غربيّ العراق من القوات القتالية الأميركية، لا يزال التشكيك سيّد الموقف في جدّية الأميركيين في إتمام الانسحاب من البلد بحلول نهاية العام الجاري، في وقت تتعالى فيه تحذيرات القوى المؤيّدة للمقاومة من أن الأخيرة لن تَقبل بأيّ التفاف على مطلب الانسحاب.
ويأتي ذلك فيما تَتواصل الأزمة السياسية الداخلية على خلفية نتائج الانتخابات، والتي يُفترض أن تُصدر المحكمة الاتحادية اليوم حُكماً بشأنها، لا يَبعد أن يتمّ تأجيله مرّة أخرى، في انتظار توافق سياسي ينهي حالة الانسداد، بدلاً من الذهاب في اتّجاه إعادة الانتخابات
ويتعارض إعلان المتحدّث باسم العمليات المشتركة العراقية، تحسين الخفاجي، أمس، أن القوات القتالية الأميركية أكملت انسحابها من «قاعدة عين الأسد» حيث لم يَتبقّ إلّا المستشارون، وأنها ستُجلي أيضاً قواتها من «قاعدة حرير» في أربيل خلال أيام، مع تصريحات علنية أميركية تفيد صراحة بأن الولايات المتحدة ستبقي جنودها الـ2500 الموجودين في العراق، هناك، ليصبح الإعلان عن إنهاء المهمّة القتالية في هذا البلد، قبل حلول 31 كانون الأول الجاري، التفافاً على الوعد بالانسحاب الكامل الذي جرى تسويق التوصّل إلى اتفاق بشأنه بين حكومة مصطفى الكاظمي والولايات المتحدة، في وقت سابق من العام الجاري.
على هذه الخلفية، استقبلت القوى السياسية العراقية المؤيّدة لفصائل المقاومة، الإعلان عن إخلاء «عين الأسد»، بترحيب ممزوج بالكثير من التشكيك، إذ وصف عضو قيادة “حركة حقوق”، القريبة من «تحالف الفتح»، عباس العرداوي، في حديث إلى صحيفة «الأخبار» اللبنانية الانسحاب من القاعدة بأنه “مهمّ جدّاً”، مُذكّراً بأن الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، كان أعلن أنه «لن يذهب إلى إخلاء عين الأسد ما لم يدفع العراق مليارَي دولار، هما تكلفة إنشائها». ومن هنا، يُعتبر الانسحاب منها «خطوة جيّدة في اتجاه تنفيذ الاتفاق بالكامل»، لكن العرداوي يستدرك بأن «هذا لا يعني جدّية الأميركيين، لأن الجانب الأميركي قد يعوّض عين الأسد بقاعدة التنف الموجودة على الحدود العراقية مع كلّ من سوريا والأردن، أو ما ينشئه من قواعد في دير الزور داخل سوريا»، مشدّداً على أن العراقيين «يحتاجون في النهاية إلى مغادرة حقيقية. أمّا الالتفاف، فلن يُغيّر من إرادتهم، ولن يُسمح به».
ويَلفت إلى أن «عامل الثقة مع الجانب الأميركي منعدم»، مضيفاً أن «الحكومة العراقية نفسها لا تثق كثيراً بالجانب الأميركي، لأن التصريحات التي تَخرج من الأخير تحمل رسائل سلبية، وأبرزها ما تحدّث به (قائد القيادة الوسطى الأميركية الجنرال كينيث) ماكينزي قبل عشرة أيام حول عدم المغادرة، وكذلك ما تتحدّث به بعض الصحف الأميركية»، خالصاً إلى أن «ثمّة تحدّياً كبيراً أمام الحكومة، لأن المقاومة قد حسمت أمرها بأنها ستواجه الاحتلال ما بعد انتهاء مهلة 31 كانون الأوّل، وأنها سوف لن تسمح بالتواجد الأميركي، بعدما أعطت من الهُدُنات ما يكفي».

ويشي بدء الولايات المتحدة ما يبدو أنها «إعادة تموضع» في العراق، بأنها لم تَعُد تستطيع الجهر ببقاء احتلالها لهذا البلد، تحسّباً لتبعات ذلك في المواجهة مع فصائل المقاومة، خاصة في ظلّ امتلاك الأخيرة طائرات مُسيّرة وصواريخ باتت تُشكّل خطراً على الوجود الأميركي. لكنّ الالتفاف الأميركي لا يَظهر أنه سيجد الصدى المطلوب أميركياً لدى قوى المقاومة، وهو ما بدأت مؤشّراته تَظهر على الأرض، بهجوم بالصواريخ استهدف ليل الأحد الماضي السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، التي تضمّ مقرّات الحكومة العراقية، وتُطوّقها حالياً ثلاثة ألوية من «الحشد الشعبي».
ويُعدّ ذلك الهجوم الثاني من نوعه في أقلّ من أسبوع، كما أنه يأتي منسجماً مع ما أعلنه زعيم «كتائب سيد الشهداء»، أبو آلاء الولائي، من استعداد لِما سمّاه «المواجهة الحاسمة مع الاحتلال الأميركي»، بعد نهاية العام الجاري. من جهة أخرى، تريد واشنطن، من خلال ما تقوم به حالياً، إبقاء تأثيرها على الساحة العراقية، عبر صيغة غير مباشرة لمواجهة إيران، ومحاولة التحكُّم بالعملية السياسية، من خلال إيصال قوى تقبل باحتلالها إلى السلطة. وفي هذا السياق، يرى العرداوي أن «تأثير الجانب الأميركي في العملية السياسية العراقية، يتأتّى من كونه مسانداً للقوى الفاسدة والقوى غير الشعبية. واليوم، نرى أن الحريصين على بقائه هم الفاسدون الذين يخشون أن تُفتح ملفّاتهم، وغير المرحّب بهم الذين يسعون إلى أن يكونوا أمراً واقعاً»، معرباً عن اعتقاده بأن «المشهد السياسي العراقي بدون الأميركيين سيكون أكثر استقراراً، ولدينا تجربة الأوّل من كانون الثاني 2012 (بعد الانسحاب الأميركي الأوّل)؛ أكثر من سنتين ونصف سنة ونحن في حالة من الاستقرار، إلا أن الأميركيين هم من نمّى الجماعات الإرهابية، ولديهم مشروع يسعى إلى تقسيم وأقلمة العراق». ومن هنا، يَتوقّع القيادي العراقي أن «يكون للأميركيين دور سلبي في إنتاج وإنعاش بعض الجماعات الإرهابية للضغط الأمني والسياسي، كما سيكون لهم دور سلبي في موضوع الاقتصاد، حيث ستتعرّض الكثير من الشخصيات للعقوبات، وسوف يحاول الجانب الأميركي أن لا يسلّم الأموال كاملة إلى الحكومة العراقية».
ولا يبدو موضوع التحرّكات الأميركية منفصلاً عن الأزمة السياسية التي تمرّ بها البلاد، بسبب الخلاف على نتائج الانتخابات، والتي يَعتبر «الإطار التنسيقي» أنها خضعت لعمليات تزوير واسعة النطاق. وفيما يُنتظر أن تُصدر المحكمة الاتحادية، اليوم، قرارها المؤجّل في الدعوى التي أقامها رئيس «تحالف الفتح»، هادي العامري، لإلغاء هذه النتائج، أفادت مصادر مطّلعة، «الأخبار»، بأن دعوى العامري ترتكز على وثائق سَرّبها له أحد أعضاء المفوّضية، تُظهر وجود مخالفات تشمل نسبة تُراوح ما بين 10 و20% من الأصوات.
ولذلك، فإن الدعوى تثير قلق زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، الذي يطالب بسحبها كجزء من التسوية التي يتمّ العمل عليها. وفي هذا الإطار، يعتبر عضو «ائتلاف دولة القانون»، آمال الدين الهر، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «المحكمة الاتحادية تَنتظر تَوافق القوى السياسية للخروج من هذا الانسداد، بسبب صعوبة إجراء انتخابات أخرى أو إعادة الفرز اليدوي الشامل للأصوات نظراً إلى ما تتطلّبه من وقت»، مضيفاً أنه «في الوقت نفسه، لا تستطيع المحكمة تجاوز الوقائع التي تشير إلى أنه كان هناك ضعف كبير من قِبَل الحكومة في إدارة الانتخابات، وكذلك ما شاب العملية الانتخابية من تزوير واضح، بدليل إعادة الفرز اليدوي المحدودة التي أسفرت عن تغيير في خمسة مقاعد». أمّا بشأن التحالفات السياسية لتشكيل الحكومة المقبلة، فيرى الهر أنه «لا يمكن حلّ هذه الأزمة في المرحلة الحاضرة إلّا من خلال تشكيل حكومة توافق وطني، أو تأجيل الموضوع وإعلان المحكمة الاتحادية إعادة العدّ والفرز اليدوييْن لجميع المحطّات، وانصياع الجميع للنتائج وما تُصدره المحكمة الاتحادية من قرارات».

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here