بقلم // إبراهيم العبادي
تكشف الاحداث المتسارعة في عالمنا ان مشكلة الحكم والإدارة تزداد صعوبة رغم الخبرات البشرية الهائلة التي تراكمت على مدى مئات بل آلاف السنين ،ورغم التجارب والنظريات المتعددة التي تراوحت بين نظرية الحق الالهي ونظرية السلطات المقيدة ونظريات الحكم الشمولي المطلق وأخيرا الديمقراطيات الليبرالية .
اذا القينا نظرة على الجدل الداخلي الأمريكي ،فان امريكا ذات الديمقراطية التي سوقت نفسها (نموذجا )وقيمة سياسية عليا في المعترك الكوني ،عانت من جرح نرجسي خطير ،جعلت الرئيس والادارة والمؤسسات السياسية تعيد فتح ملف اقتحام الغوغاء الأمريكيين لرمز الديمقراطية وسيادة الامة (مبنى الكونغرس )بكل مانجم عن ذلك من تهديد جدي كاد يعصف بالنظام السياسي ويمهد لانقسام خطير داخل النخبة والمجتمع السياسي بل المجتمع العام ،بلغ حد التهديد بالحرب الاهلية .
مالذي قاد الى هذا الحدث الذي مثل جرس انذار خطير ؟ لاشك ان الاسباب عديدة لكن الاخطر والاهم كان تغلب منطق الشعبوية والتطرف اليميني على قيم المؤسسة التي حكمت التاريخ الامريكي منذ انتهاء الحرب الاهلية لغاية يوم 6 كانون الثاني 2021،الدرس الاكبر كان في ضرورة الحذر من متغيرات الوعي السياسي والاجتماعي ،والاستماتة في فرض منطق القوة على منطق العقلانية والانصياع لرأي الاغلبية التي هي جوهر العملية الديمقراطية ،تغلبت امريكا على ازمتها وهي ازمة التقيد بروح الديمقراطية بقوة المؤسسة السياسية وقيم الحكم والادارة الناظمة لسلوك الطبقة السياسية واعضاء المؤسسات الامنية والقضائية والاعلام والاحزاب .
مقارنة بما جرى في اميركا ،يمكن الاشارة الى النماذج السياسية الاخرى الاضعف كثيرا مقارنة بالمؤسسة الامريكية (المقارنة هنا شكلية اساسا)ماحصل في دول الربيع العربي ،تونس ،مصر ،اليمن،البحرين
ليبيا ،سوريا ،لاحقا الجزائر ثم السودان ،وقبلها العراق ،وبين هذه الدول العربية وماحصل في جورجيا واوكرانيا وأرمينيا ، ومايحصل الان في كازاخستان ،المقارنة تنصب اساسا على قوة المؤسسات من عدمها ،الجامع المشترك بين هذه النماذج ،هو الافتقاد الى مؤسسات للحكم تمثل الشعب والامة تمثيلا صادقا بما يسمح بتماهي المواطن مع الدولة وانتماءه الشعوري والوجداني اليها رغم الاختلاف والتعارض حد الثورة على انظمة الحكم .
في كل النماذج المشار اليها نجحت الدول التي امتلكت فيها المؤسسة العسكرية والامنية ولاءها للدولة وللامة ، وحيدت نفسها عن صراعات الاحزاب والسياسيين والتيارات المؤدلجة المتصارعة ،حفظ امن الدولة والسيادة والنظام العام وجريان الحياة العامة بحدها الادنى هو مايسمح بالتغلب على ازمات السياسة والاقتصاد والكوارث الطبيعية وغيرها من التحديات ،السياسيون الاذكياء هم السياسيون الذين يسعون الى تقوية مؤسسات الدولة وتحييدها عن تغول الشخصيات والاحزاب والتيارات الايديولوجية ،لا العكس ،لازلنا نعاني من منطق مقلوب وهو استخدام مؤسسات الدولة حزبيا او قوميا او طائفيا للاستقواء على الاخر المنافس ،بما قاد ويقود الى انهيار المؤسسة في اول تحدي ومع أول ازمة عاصفة !!!!؟.
يندهش المرء حينما يجد دولا غنية مستقرة لفترات طويلة تنهار في ليلتين ،ما ان ينفلت غضب الناس على السلطات القائمة .بما يجعلها تستنجد بقوات دول اخرى لتحفظ لها امنها الداخلي وتنتصر لها في حرب داخلية أو اهلية صغيرة .اين عمل مؤسسات الضبط والامن والنظام ؟ولماذا تفشل جيوش مدججة وامن سري مبالغ في هيبته وسطوته؟ وكيف يصل الاقتصاد الى حد الشلل التام في اول اضطراب مفاجيء ؟ الجواب الاولي يكمن في اضعاف المؤسسة والمؤسسات الضامنة والناظمة لوحدة الامة وجريان الحياة في شرايينها ،قوة المؤسسة لاتعني الاعتماد على القوة الاكراهية والتعسفية وحدها ،رغم ان سيادة الدولة بالمفهوم الفيبري منوطة باحتكار العنف الشرعي ،بل تعني ان قيم الناس السياسية ومعاييرهم واتجاهاتهم ترفض المساس بالدولة ومؤسساتها الاساسية التي ينبغي ان تكون قوية وحيادية في الان نفسه ،ولاتتحول الى ذراع باطشة بيد السلطة أو مع تيار ضد اخر من تيارات الامة ،قوة مؤسسات الدولة تعني ان تكون حاضرة في نفوس الناس ،حائزة على ثقتهم ،قادرة على حمايتهم والدفاع عن سيادتهم ،وضامنة لحاجاتهم ،أو كما يقول فوكوياما ان تكون قادرة على تصميم السياسات وسن الانظمة والقوانين ووضعها موضع تنفيذ .عراقيا من يلاحظ العداوات الشخصية والتنافسات الحزبية وروح الوصاية على الامة وادعاء تمثيلها لدى هذا الفريق او ذاك ،واندفاع قوى لفرض كلمتها على الفضاء السياسي ،يكشف اننا لم نتعلم من مخاطر أدعاء(الرؤية) الصائبة ،ولم نجعل مصالح البلاد- ذات التنوع والتعدد – ملاكا لمواقفنا وايديولوجياتنا الحزبية ،بل ان الجميع منغمس في لعبة السلطة دونما حساسية ودراية بمخاطر القطيعة السياسية والمجتمعية مع اجيال الحاضر الناقمة والمستهزئة .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here