بقلم // علي عنبر السعدي

((جمهورية العراق – الكردية * ))- من ذاكرة كتاب
بعد أيام من سقوط نظام صدام، وعند دخوله الى بغداد بعد سنوات من الغياب عنها ، عبّرأحد قادة الكرد البارزين عن ذلك بقوله “هذه هي بغداد، أكبر مدينة كردية” وقد استبشر سامعوه خيراَ ، باعتبار أن كلامه جاء دليلاً على مقدار تمسك الرجل بعراقيته وببغداد عاصمة له، وما كادت تمرّ بضعة أشهر آخرى، حتى أطلق القائد ذاته مقولة “كل من لا يتكلم الكردية فهو خائن ” ولم يوضح عندها، إن كان يقصد الأكراد وحسب، أم العراقيين جميعاً.
لا شك أن النزوع البشري نحو التفاضل على الآخر وطلب التمايز عنه أو الغلبة عليه، هو مكون فطري أساسي للجماعات كما للأفراد، لذا تجهد الشعوب والجماعات في البحث عن شتى السبل إرضاء لذلك النزوع وتأكيداً له ، تارة بمقولات تضفي عليها معتقدات دينية، وطوراً بعراقة ثقافية أوبسالة حربية أو ما شابه ، فالعرب اختصهم الله بنزول القرآن بلغتهم ” إنا أنزلناه قرآناً عربياً ” وبنبي كريم أرسل مبشراُ ونذيراً للناس أجمعين وبه ختم الأنبياء، والأتراك أحفاد الفاتحين العظام وخلفاء بني عثمان الذين حكموا أكثر من قرون خمسة كانت كلمتهم فيها هي السائدة، أما الأكراد فهم من الجنس الآري النبيل المؤيدين من أعظم الأمم – أمريكا – المكلفة بوعد إلهي بإعادة هندسة العالم والمتحالفة بدورها مع اليهود أول من عقد عهداً مع الله ( حسب قولهم )… وقس على ذلك.
وباجتماع هذه الاعتبارات التي تجد دائماً أساليب متعددة للتعبير عن نفسها والظهور في عالم السياسة وفن إدارتها، لعب كل من الأطراف المختصة بالشأن العراقي ما توافر لديه من أوراق، بعضهم بحساب متوازن ووضوح رؤية ، وبعضهم بارتباك وتعثر، وكما هو المتوقع، فقد خرج “ملوك الطوائف” العرب من هذه المعركة وهم الأقرب الى الخسارة ، فوطنهم صار مهدداُ فعلياُ بخطر الانقسام ، ولغتهم أصبح لها شريك رسمي ، أما عروبة العراق فقد اكتفوا منها بداية ، بذكر أن الشعب العربي في العراق هو جزء من الأمة العربية ، كما سلخت أقضية ونواح عديدة من محافظات الموصل وديالى وكركوك بعد أن هجر منها مئات الألوف من سكانها العرب ، لتضم لاحقاً الى الإقليم الكردي ، وانحسرت العربية أو اختفت بالكامل من مناطق شاسعة في الشمال “العراقي” كي تستكمل مقومات الدولة الكردية الخالصة .
وعلى هذا يبدو الكرد وكأنهم الطرف الوحيد الذي خرج رابحاُ ، لقد أجادوا اللعبة فعقدوا تحالفات وأرسلوا إشارات ومبادرات مختلفة ، واستثمروا كل ما يمكن توفيره – واقعاُ أو إفتراضاً ـ بحدوده القصوى ، ليفوزوا بالجائزة الكبرى ويتركوا للآخرين جوائز الترضية ، لكن على ماذا بنى كل طرف حساباته؟ وكيف جاءت النتائج على ماهي عليه؟ والى أين سيؤدي كل ذلك في خاتمة المطاف؟
لقد تولى حكم العراق بويهيون وصفويون وسلاجقة ومماليك وأتراك ، وكلهم عمل على طبع العراق بميسمه الخاص، وليست بعيدة تلك العهود التي كانت إجادة اللغة التركية ، هي جواز المرور الوحيد للسلطة والجاه والنفوذ والوظيفة ، ثم إذا كان “صدام” قد نجح في “تكرتة” العراق وحزب البعث طوال أكثر من ثلاثة عقود ، وقد تم له ذلك بمساعدة أمريكا ورعايتها قبل أن تنقلب عليه لخطأ في الحساب وتعارض في المصالح ، فلم لا يعيد التاريخ نفسه بصيغة أفضل ، مع تغيرالأدوات وتلافي الثغرات السابقة ؟ فتحلّ كردية اليوم محل تركية الأمس .
(*) من كتاب – حزام النار- اصدار دار العارف – بيروت 2008 – ص 283 .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here