بقلم// علي المؤمن

لا جدال في أن المرجع الأعلى هو أبٌ لكل مواطن؛ لكنه على مستوى الإنتماء الديني والمذهبي فهو أبُ المؤمنين حصراً، بمن فيهم أبناء التيارات الاسلامية؛ إذ لا يمكن لمرجع الدين أن يكون مرجعاً للملحدين وأباً للشيوعيين والعلمانيين أيضاً؛ لأنه مرجع إسلامي، هذا هو توصيفه، وليس مرجعاً سياسياً ولا عشائرياً، بحيث تتّسع أبوته لكل المنتمين للعشيرة، بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية والعقدية؛ لأن هذا النوع من الأبوة يتناقض مع موقع المرجع الديني ووظيفته الشرعية، وليس مجرد تعارض أو خلاف في الرؤية بين المرجع الديني من جهة والشيوعيين والعلمانيين من جهة أخرى.

وبالتالي؛ فمن البديهي أن لا يتفاعل المرجع الأعلى مع التيارات العلمانية كتفاعله مع التيارات الاسلامية، ولا يمكن أن يكون محايداً بين الطرفين في النظرية والغاية والهدف، أو ينظر اليهم نظرة واحدة متساوية، أو يكون على مسافة واحدة من الجميع.

المنظومة العقدية والفكرية والقيمية للتيارات الإسلامية تتطابق تماماً مع المنظومة العقدية والفكرية للمرجعية العليا، بل أن التيارات الإسلامية جزء لا يتجزأ من الاجتماع الديني والنظام الاجتماعي الديني الذي يقوده المرجع الأعلى، مع الإذعان بأن بعض أفراد هذه التيارات منحرف سلوكياً وفاسد. في حين أن التعارض بين المنظومة الفكرية والعقدية للمرجعية والمنظومة الفكرية السياسية للتيارات غير الإسلامية، يرتبط بالأصول والقواعد والغايات الدنيوية والأخروية، وليس بالسلوك وحسب.

فهل هناك مرجع ديني ليس إسلامياً؟!؛ أي أنه لايؤمن بأن الإسلام نظام كامل شامل لكل شؤون الحياة، وأن الإسلام عبادة ومعاملة وسياسة واقتصاد؟ وأن في الإسلام دولة؟ وأن تطبيق الشريعة الإسلامية لايتجزأ إطلاقاً؟. هذه هي ايديولوجيا الإسلاميين بتفاصيلها. صحيح أن الإسلاميين يسلكون منهجاً حركياً ويمارسون العمل السياسي التفصيلي؛ إلّا أنه سلوك فرعي مؤسَّسي، لا في طول المرجعية ولا في عرضها؛ بل هو كالرافد التابع الذي يصب في النهر الكبير الذي هو منظومة المرجعية. وهذا ما لا تؤمن به التيارات غير الإسلامية ولا تسلكه.

وهذا التعارض لايقتصر على التيارات السياسية والفكرية العلمانية؛ بل يشمل حتى المعممين العلمانيين والليبراليين الذين لايؤمنون بكمال الإسلام وشمولية شريعته لكل نظم الحياة، وهم كثر؛ فالزي الديني هو مجرد زي مهني أو هكذا بات عرفاً، ولا يعني الأصالة الدينية لمن يرتديه، ولا يعني أن من يرتديه من حقه أن يكون ناطقاً باسم الدين والحوزة، وممثلاً للمرجعية ومعبراً عن نهجها وأهدافها، وإن كان يعمل في أجوائها.

والغالب، أن ظروف الزمان والمكان تقتضي أن يتنزّل المرجع الأعلى عن العناوين الأولية في تطبيق نظم معينة، ومنها نظام السلطة الشرعية ونظام الاقتصاد الإسلامي وغيرهما، ويقبل ببدائل وأدوات وعناوين في إطار الأحكام الثانوية؛ بسبب عدم توافر الظروف الموضوعية. لكن هذا لا يعني أنه لا يؤمن بأصل النظام الشرعي، سواء في الحكم أو الاقتصاد. أي أن غض المرجع نظره عن عدم تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في مجال الحكم، يشبه غض نظره عن تطبيق أحكام الشريعة في مجال الإقتصاد. فهل هذا يعني أن المرجع الديني يمضي المعاملات الربوية في البنوك؟ أم أن غض النظر يعني عدم توافر الظروف الموضوعية لإلغاء الربا المصرفي؟ وبالتالي؛ فإن من يتصور بأن المرجعية تؤمن بالدولة المدنية والحكم المدني؛ فإنه لايعي بديهيات القواعد الفقهية والأصولية، وهو كمن يتصور بأن المرجعية تؤمن بالبنوك الربوية، وقوانين الأحوال الشخصية غير الإسلامية، وعدم مباشرة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع والشارع.

ويفكر الإسلاميون بالطريقة نفسها، لأنه منهج تفكير واحد، وقبولهم بالأمر الواقع الضاغط لايعني التنازل عن الأصول الشرعية التي تأسست التيارات الإسلامية من أجل تطبيقها. وهذا مؤشر آخر على أن منهج المرجعية هي بوصلة الإسلاميين.

الإسلاميون هم أبناء المرجع الأعلى العقديون، وإن كان بعضهم عقوقاً ومتمرداً على توجيهاته وما يريده منهم من النزاهة والتدين والإخلاص والخدمة للناس والنجاح في العمل وتوحيد الصفوف.

نعم؛ المرجع الأعلى يغضب على أبنائه.. يقاطعهم.. يؤدبهم، حتى يبح صوته؛ لكنه لن يتخلى عن أبوته لهم إطلاقاً، ولا يأخذهم جميعاً بجريرة بعضهم. وإذا كان قد أغلق بابه بوجوههم يوماً؛ إعلاناً عن عدم رضاه على بعضهم، وتحذيراً للآخرين بأن لا يرتكبوا الأخطاء والانحرافات نفسها؛ فإنه لن يتركهم بدون تصويب وتوجيه ودعاء.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here