بقلم // أحمد رضا المؤمن

لست مع الهجمات التي تستهدف كيان ورموز المرجعية الدينية في النجف الأشرف بين فترة وأخرى مهما كانت مبرراتها لأسباب كثيرة جداً أهمها وأولها أن هذا الكيان هو كيان مقدس يمثل إمتداداً لخط الإمامة في نيابة المعصوم والقيام بالمهام الدنيوية والأخروية . فضلاً عما يمثله هذا الكيان من رمزية خطيرة حتى لمن لا يتبعها أو يلتزم معها بالتقليد والفتوى ، فالموضوع أكبر بكثير من إختزال هذا الكيان العظيم (المرجعية الدينية) ومؤسسته العريقة (الحوزة العلمية) بشخوص وأسماء ، إنما هو إرتباط بالمعصوم عن طريق المؤهلين والمستحقين لهذا الإرتباط .

ولكي نكون موضوعيين وصادقين في البحث عن الحقيقة والصواب في المواقف والآراء فلا بد من دراسة وتفهم الأفكار والآراء المخالفة والمعارضة بما فيها الأفكار والمواقف المعارضة لمواقف وافكار المرجعية الدينية نفسها خصوصاً وأنها كيان لا يمكن إضفاء العصمة على مواقفه أو إطروحاته .

ولكن تبقى مشكلة دوافع المختلف أو المعارض نقطة أساسية ترتكز عليها بناء العلاقة مع هذا الكيان (المرجعية) والمؤسسة التي تحيط به ويديرها (الحوزة العلمية) ، فهو – المخالف أو المعارض – إذا كانت دوافعه تسقيطية ولديه مواقف إستباقية من المرجعية والحوزة فإنه لن تحصل أي ثمرة من التعاطي معه لأن النتيجة واحدة ومعلومة بالنهاية وبعيدة عن الموضوعية .

أما إذا كانت دوافع المخالف أو المعارض لمواقف واطروحات المرجعية نابعة من حرص أو قلق أو محاولة فهم فهو أمر محمود ومطلوب لأن النوايا ستكون سليمة والدوافع موضوعية .

ومن خلال متابعتي لردود أفعال ومواقف النوع الثاني من أصحاب النوايا الحسنة والدوافع النبيلة وجدت أن عددهم لا يستهان به في الوسط المذهبي الشيعي بالعراق بل هم نفسهم الجمهور الذي يدافع عن المرجعية وحوزتها العلمية الشريفة ويفديها بالمال والبنون ويهب لتلبية فتاواها في كل شيء .

وهذا النوع يطرح أسئلة وإشكالات كثيرة وخطيرة عن المرجعية ودورها وتفسير مواقفها ولكن أسئلتهم هذه لا تجد أذناً صاغية أو أنها للأسف تقمع من بعض المسيئين لمقام المرجعية قبل غيرهم .

ومن أهم وأبرز هذه الإشكالات التي تطرح من هذه الفئة هي محاولة معرفة حدود وآليات وأدوات المرجعية الدينية في النجف الأشرف إلى أي حد ..

بمعنى آخر هل المرجعية في العراق مبسوطة اليد ؟ 

وإلى أي نسبة ؟؟ 

وهل لديها صلاحيات تنفيذية لتطبيق ما تريد ؟!

وما هو منهج المرجعية في النجف الأشرف بالنسبة للمواقف ؟ 

هل هو منهج عام يتساوى فيه حتى المختلفين ؟ 

أم أنه ينحاز أو يميل إلى فئة دون أخرى بمقياس الحق ؟

وما هو تفسير التناقض بين ما يصدر من بعض المحسوبين على المرجعية الدينية من القول بأن المرجعية الدينية في النجف الأشرف دورها يقتصر على (الوعظ) و(النصح) و(الإرشاد) ولا تتدخل بأي شأن أو قرار تنفيذي أو غيره . بالوقت الذي شاهدنا وشهدنا مع العالم أجمع كيف أن للمرجعية الدينية في النجف الأشرف منذ إحتلال العراق في نيسان ٢٠٠٣م مواقف سياسية كثيرة لا تعد ولا تحصى موثقة تبين أن المرجعية الدينية كانت ولم تزل هي صاحبة الكلمة الأولى في رسم وبناء ماضي وحاضر ومستقبل العراق وخصوصاً بعد نيسان ٢٠٠٣م .

والأمثلة كثيرة يصعب حتى تعدادها ولا يمكن حصرها مثلاً فقط بدور المرجعية في كتابة وإقرار الدستور الدائم والتصويت عليه أو الإنتخابات والموقف منها أو حتى الآراء والمواقف في المطالبة بتغيير أو إقالة رؤساء وزراء سابقين (المالكي وعادل عبد المهدي مثلاً) ودعم تظاهرات تشرين ٢٠١٩ . بل حتى على مستوى الصلاحيات التنفيذية في الدولة فإننا لاحظنا كيف أن النظام الداخلي للوقف الشيعي يربط قرار تعيين المسؤولين فيه بموافقة المرجع الأعلى .

وبالتالي وبناء على ذلك فإن مواقف المرجع تستدعي أن تتحمل المرجعية نسبة من المسؤولية على تبعات وآثار أي موقف أو قرار أو فتوى طردياً مع حجم وقوة وتأثير القرار أو الموقف أو الفتوى ، خصوصاً وأننا لاحظنا كيف أن كلمة المرجعية بحمد الله تعالى في العراق أصبحت وفي كثير من المواقف هي الكلمة الفصل .

ولكن بالمقابل نجد من يعترض على تحميل مقام المرجعية الدينية في النجف الأشرف أي مسؤولية عن أي موقف بحجة أن المرجعية ليست مبسوطة اليد وكلمتها غير مسموعة وأنها لا تملك غير الوعظ والنصح والإرشاد .. إلخ .

وبالتالي فإن طبيعة هذا الرد سببت مشكلة كبيرة في فهم المرجعية ودورها حتى لدى من يصنفون أنفسهم على أنهم من أنصارها فتجدهم متناقضين فيما بينهم في إيجاد أجوبة واضحة ومقنعة بهذا الخصوص رغم حاجة الشارع الشيعي العراقي اليوم أكثر من أي وقت مضى لهذه الأجوبة .

برأيي الشخصي فإن هذا كله مبعثه عدم حسم مفهوم (دور المرجعية ومسؤوليتها) في العراق . 

فمن جهة تلاحظ دوراً كبيراً جداً للمرجعية في أكثر من محطة في حياة العراقيين بعد الإحتلال ، ومن جهة أخرى هناك من يريد عزل المرجعية أو قل سلبها قدرتها أو حتى صلاحياتها المعنوية من خلال القول بأن دورها معنوي روحي فقط !

ولكي يتم حسم هذا الجدل الذي بدأ يتمظهر بأشكال مؤسفة وخطيرة مرة بالإساءة لمقام المرجعية وإتهامها وإتهام المرتبطين بها ومرة بسرد تفسيرات مغلوطة لا تقرها حتى المرجعية نفسها .

ولكي يتم حسم هذا الجدل كله فلا بد من إعلان صريح رسمي (موثق) صادر من المرجعية الدينية في النجف الأشرف والحوزة العلمية عن المنهج والمدرسة الفكرية التي تتبناها وتعمل بها وبإسلوبها وأدواتها المتاحة ..

يجاب فيه على التساؤل ، هل هي مثل مرجعية *(الڤاتيكان)* التي يتزعمها البابا المسيحي حيث لا يتدخل بأي شأن من شؤون السياسة التنفيذية أو التشريعية أو الإدارية أو غيرها ويقتصر دور (الپاپا) على العمل داخل الكنيسة في أداء العبادات مع الوعظ والإرشاد والنصيحة كل يوم أحد . وبالتالي فلا أحد يكون ملزماً بشيء من مواقفه وهو أيضاً – الپاپا – لا يستطيع أحد تحميله أي مسؤولية لأنه أصلاً ليس لديه موقف أو دور سياسي أو غيره .

وهذا المعنى فيما لو تبنته المرجعية الدينية في النجف الأشرف سيكون واضحاً للجميع أنه لا معنى أبداً ولا جدوى من ربط أي حراك أو تفاهم أو موقف سياسي بالمرجعية وزيارتها أو بالمقابل عدم إستقبال المرجعية للسياسيين لأن لا أحد من الطرفين (المرجعية والمسؤولين السياسيين) سيُحمل المسؤولية للآخر سلباً أو إيجاباً ، بل حتى ولا يتدخل أحدهما بعمل وأداء الآخر . ولا يسقط رئيس حكومة حسب رأي المرجع وإنما بحسب رأي الشعب أو من يمثله .

أم هي مثل مرجعية *(طهران)* التي يمثلها منصب الولي الفقيه والذي يشرف على كل مؤسسات الدولة وما بسطت يده عليه فيعمل على تطويرها وإصلاحها وتنظيمها وقيادتها ويتحمل مسؤولية كل مواقفه مع وجود مؤسسات دستورية تخصصية عليا تقيم أداءه وتحمله المسؤولية عن أي إخفاق ونجاح .

والفرق الأساس بين مدرستي *(الڤاتيكان)* *و(طهران)* كما هو واضح *(المسؤولية)* . 

لذا فلا بد من معرفة وحسم *حجم المسؤولية* التي تتحملها المرجعية الدينية في النجف الأشرف في ظل تشابك الإطروحات والتصريحات المتناقضة ليُصار بعدها التعامل والتفاعل مع هذا المقام المعظم بحسب ما يقول به هو نفسه وليس ما يقال عنه وعلى لسانه .

البت والحسم والفصل في هذا الموضوع برأيي سيساعد على قطع ألسنة المنافقين والجهلة الذين تزايدت إساءاتهم مؤخراً ضد هذه المؤسسة المقدسة – المرجعية – وسيلقي الحجة على الجميع .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here