بقلم // إياد الإمارة

لست معنيا في هذه المرحلة بالذات بتعيين يوم الشهيد العراقي سواء كان ذكرى شهادة شهيد المحراب سماحة آية الله العظمى الإمام السيد محمد باقر الحكيم أو ذكرى شهادة شهيد الإسلام الكبير سماحة آية الله العظمى الإمام السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليهما .. الشهيدان أكبر من تلك الأيام وأيام العراق أيام شهادة مستمرة ولنا أن نحتفي بيومين لشهيدين عظيمين ولبقية شهداء العراق الكبار من آل الحكيم وآل الصدر وآل المبرقع وآل شبر وشهداء البو محمد والعيدان والسعدون وبني سكين والإمارة والصيامر وبنو أسد وبنو مالك وكل أسر وعشائر العراق التي قدمت فلذات أكبادها في سبيل العقيدة والوطن دفاعا عن قيم نبيلة ومبادئ سامية.

انا معني بقيم الشهادة وبعطاء هؤلاء الشهداء ونحن نحيا بهذه القيم وبهذا العطاء مستلهمين هذه المعاني العليا المقدسة من سيد الشهداء الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع من أستشهد معه من آل بيته وصحبه وعلى طريقه طريق الإسلام المحمدي الأصيل.

في الأول من رجب الأصب فقد الإسلام والعراق رجلا كان شعلة من وعي وعلم وإيمان وبصيرة وثورة وحركة دؤوبة كان له فضل حمل ثورة العراق التي رعاها الإمام السيد محسن الحكيم وفجرها الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليهما لينطلق بها في مرحلة من أصعب المراحل في تاريخ العراق المعاصر، إن ظروف العمل الثوري التي خاضها الشهيد الحكيم (ره) كانت مليئة بالتحديات الداخلية والخارجية وكانت تتطلب وعيا كبيرا وهمة عالية و (حركة دؤوبة) وقدرة على إستيعاب وإحتواء الآخرين في أجواء ملبدة بالمماحكات والمؤآمرات وقلة وعي البعض وقصر نظرهم، وكانت هذه الخصال والمزايا وغيرها الكثير متوفرة في شخص الشهيد الحكيم (ره) وهو يحمل ثقل المرجعية وإرثها وتاريخها وزعامتها وحكمتها وثورتها.

 الشهيد الحكيم (ره) أحد أبرز أنجال مرجع الطائفة الإمام السيد محسن الحكيم المبرزين جميعا بل لعلي أراه في مقدمتهم حضورا أيام مرجعية والده المقدس أو بعدها، وهو الذي كان في مركز الحوزة العلمية المباركة وفي مركز التحرك الإسلامي المقاوم، وفي مركز حلقة واسعة من العلاقات العامة مع مختلف الشخصيات والتوجهات والطبقات الإجتماعية وكان (ره) على الرغم من ثقل هذه المسؤوليات وتعددها قادرا على إدارتها بجدارة وبأفضل الطرق التي خرجت بنتائج مثمرة جدا.

حدثني الشهيد الحاج أبو محمد العامري (طالب الحجامي) رضوان الله عليه عن أحد القادة الدعاة الأحياء بأنه يقول: إن الشهيد السيد محمد باقر الحكيم رضوان الله عليه كان أكثرنا عملا وهمة.

وقد كان الحديث بمحضر الشهيد الكبير الحاج أبو ياسين رضوان الله عليه وقد أيد حديث الحاج العامري وقدم مجموعة من الأدلة على ذلك حتى انه ذكر بأننا كنا نشفق على الشهيد الحكيم (ره) من كثرة العمل وأخبرناه بذلك وكان رده أنه يتمنى أن تنتهي حياته وهو في خضم هذا العمل. وكان له ما أراد بأن توج عمله المبارك بالشهادة ..

وكان الشهيد الحاج أبو زينب الخالصي (مهدي عبد مهدي) رضوان الله عليه يؤكد هذه الحقيقة ويقول بأن الشهيد الحكيم (ره) لا يعرف التعب ولا يمل منه وكان حريصا على إنجاز كافة أعماله بدقة عالية جدا.

والشهيد الحكيم (ره) حاد الذاكرة فقد كنت في خدمته برفقة السيد صلاح البطاط في مدينة الأهواز الإيرانية بمناسبة ذكرى الإنتفاضة الشعبانية والتقيته مرة أخرى قبل أن تتوالى اللقاءات به في العاصمة طهران وتذكرني من اللقاء الأول مستعيدا أحداث اللقاء وقال لي موصيا: عليك بتكثيف مطالعاتك خصوصا بما يتعلق بتاريخ الحوزة العلمية المباركة مؤكدا على ضرورة الإهتمام بهذا الجانب، فقد كان رضوان الله عليه يستثمر كل مناسبة وكل لقاء للتأكيد على الحوزة العلمية المباركة ودور المراجع العظام ووجوب الإلتفاف حولهم في جميع شؤون الأمة.

حظي الشهيد الحكيم بإحترام جميع العراقيين عربا وأكرادا سنة وشيعة مسلمين ومن بقية الديانات الأخرى وإحترام الداخل والخارج لما كان يمتاز به (ره) من دقة الطروحات، وصدقها، وواقعيتها، وتقديرها للمصلحة العامة، وكان الجميع يلمس فيه ذلك، لم يكن منحازا إلى طرف دون آخر ولا لفئة دون أخرى يؤثر الآخرين على نفسه جم التواضع ينصت لأحاديث الآخرين بإهتمام وعناية ويبدي بعد ذلك ملاحظاته..

شخص الواقع العراقي وحدد أهدافه راسما طريقا واضحا لتحقيق هذه الأهداف، لقد كان الشهيد الحكيم رضوان الله عليه يؤمن بوحدة العراق والخيار الديمقراطي ومشاركة الجميع في الحكم بطريقة عادلة تضمن حقوقهم وتوزع عليهم الثروات بالتساوي، كما رفض (ره) وجود الإحتلال مؤكدا على رفضه هذا عادا وجوده غير مناسب لتاريخ العراق وتضحيات أبنائه الذين لم يقبلوا بالإحتلال والذل والعبودية وهو غير مناسب وغير مرحب به الآن لأن العراقيين قادرون على إدارة البلد بالطريقة الصحيحة.

آمن الشهيد الحكيم بقدرات العراقيين وقابلياتهم العالية كما آمن من قبل بتاريخهم الحافل بالتضحيات الجسام وكان يقدر معاناتهم وهو يلهج بذكرها بما يتحملون من آهات وأوجاع خصوصا في أعوام الحصار الإقتصادي الجائر، كان رضوان الله عليه يفصل بين الشعب العراقي المظلوم والنظام البعثي الظالم ويؤكد على هذه الحقيقة في كل مكان ومناسبة، ويطالب بعدم تحميل العراقي فوق طاقته فالعراقي يتحمل جور النظام وجوع الحصار وهو يحمل سلاح المقاومة بقوة وعزة وإقتدار ..

رحل الشهيد الحكيم رضوان الله عليه إلى جوار ربه راضيا مرضيا ليلتحق بمن سبقه من الأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين والشهداء الميامين في الفردوس الأعلى ..

رحل (ره) ليلتحق مع من سبقه من الشهداء أخوته وأبناء عشيرته وربعه وجيرته ومن عمل معه على طول مسيرة جهادية حافلة ..

لكنه ترك من بعده كما كل الشهداء رضوان الله عليهم إرثا كبيرا من الدروس والعبر، لقد ترك الشهيد الحكيم فكر الشهادة وسلوك الشهادة حيا بيننا وكان هو المثل في ذلك ..

تأتي ذكرى شهادة شهيد المحراب سماحة آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم رضوان الله عليه ونحن أحوج ما نكون لفكره وسلوكه وهو: يرأب الصدع، ويطبب الجراحات، ويضع الأمور في نصابها الصحيح .. ونحن أحوج ما نكون: لإيثاره، وتواضعه، وتقديره لمصلحة العراقيين جميعا .. ونحن أحوج ما نكون إلى: طريقته وهو يطوي الشجى، ويغض الطرف عن كثير لكي تمضي المسيرة على ما يرام.

السلام عليك يا شهيد المحراب يوم ولدت في حجر المرجعية المباركة وترعرعت بين خمائلها العطرة فزهرت نبلا وشجاعة وعلما وعملا للإسلام العظيم والسلام عليك يا شهيد المحراب يوم أستشهدت إلى جوار جدك المرتضى على بقعة مباركة في يوم مبارك ومن أجل قضية مباركة وأنت تتعبد الله تبارك وتعالى بخدمة الناس وقضاء حوائجهم وإرشادهم إلى الطريق الصحيح والسلام عليك يا شهيد المحراب يوم تبعث حيا تقتص من الظالمين الذين ظلموك وظلموا آلك وشعبك.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here