بقلم // أحمد رضا المؤمن

تتسارع الأحداث والأخبار والتقارير التي تؤكد أن حدثاً خطيراً سيحدث خلال الساعات القادمة في الجبهة الروسية الأوكرانية ربما تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة مدمرة تتناطح فيها القوى الكبرى أو تحدث فيها مناوشات تؤدي إلى حرب باردة جديدة طويلة الأمد .

وبغض النظر عن طبيعة ما سيحدث وتفاصيله إلا أن النتيجة هي حرب ودماء وتدهور إقتصادي عالمي وإنقسامات سياسية وتداعيات أخرى سلبية كثيرة .

وهنا تقفز عدة تساؤلات تأريخية ومصيرية بالتوازي مع كل هذه الأحداث منها ..
ما هو موقفنا من كل ما يجري ويحدث ؟
هل نصطف مع الخندق الروسي (الشرقي) أم الأوكراني (الغربي) ؟
أم نقف على الحياد الإيجابي أو السلبي ؟
وهل يمكن الإستفادة من حدث خطير كهذا ؟
أم نكتفي بنشر الرعب بين الناس ليستفيد التجار في إحتكار البضائع ورفع الأسعار ؟

وللإجابة على هذه التساؤلات وغيرها ينبغي تشخيص ما رصدناه من مواقف وآراء حول ما ينبغي فعله تجاه هذه الحرب فيما لو إندلعت لأن هذا التشخيص من شأنه توضيح الرؤية الصحيحة للمكان أو الموقف المناسب الذي يجب أن نتخذه ونقف فيه . وهذه المواقف على أنواع وأشكال ، منها :

١/ موقف الحياد السلبي :
وهذا الموقف الذي يحمل أنصاره شعار (ما لنا والحرب بين الجبابرة) و(اللهم أشغل الظالمين بالظالمين وأخرجها من بينهم سالمين) ويمثلون للأسف شريحة واسعة تتصف بالجهل والسطحية والتفكير السلبي الإنهزامي والبحث عن أي مُبرر للإبتعاد عن أي دور تشارك فيه بالحياة .
ولجهل وسطحية هذه الشريحة فإنها تتوقع أن إلتزامها هذا النوع من الحياد سيجنبها شرور وآثار الحرب بينما كل أحداث التأريخ تؤكد عكس ذلك لأن الحياد السلبي يعني وجود ساحة فارغة تقع بين طرفين مُتحاربين سيسعى الأقوى والأذكى منهما لاحقاً إحتلالها وإشغالها وإستغلالها لصالحه بشكل أو بآخر .

٢/ موقف الحياد الوردي :
وهم الذين يرون بأن العراق يمكنه أن يمارس دور الوسيط الذي يقرب وجهات النظر والصلح بين الطرفين الروسي والأوكراني . وهذه الرؤية أو الطرح رغم إيجابيتها إلا أنها بعيدة عن الواقع وتتصف بالخيال الوردي غير الواقعي ، فالعراق خصوصاً لا يمكنه أن يمارس هذا الدور لأنه بالواقع محكوم – حالياً – من قوى سياسية محسوبة على المحور الأمريكي الداعم لأوكرانيا ضد روسيا .

٣/ موقف التفسير السلبي للظهور المهدوي :
وهذه الشريحة تختص بالمجتمع الشيعي ، وهي رغم قلتها إلا أنها تنشط بين الحين والآخر خصوصاً عند حدوث الفتن والحروب والأزمات الخطيرة ، وطبعاً فهي على باطل بلا أدنى شك لأن الواجب العقائدي لكل من يؤمن بالظهور هو التمهيد والتوطئة والإستعداد للنصرة وليس الهروب والتفرج تفرج المحايد بحجة إنتظار الظهور .

٤/ موقف الإنحياز :
وهي الشريحة التي ترى بأن المصلحة تتمثل بالإنحياز إلى أحد طرفي الصراع ، وذلك من خلال الحديث عن مصالح مشتركة مع أحد أطراف الصراع بكل ما يعنيه ذلك من إنقياد وتبعية لهذا المعسكر أو ذاك خصوصاً وأن المصير سيكون مشتركاً من كل الأبعاد الأمنية والإقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها .
وهذا الموقف له عواقبه وآثاره ولنا في العراق تجارب وشواهد كثيرة . منها موقف العراق من الحرب العالمية الثانية حيث أن الحكم الملكي في العراق كان صنيعة بريطانية بالكامل وعندما بدأ الملك غازي بالإتصال والتعاون مع هتلر والنازية لم يستمر الأمر طويلاً حتى تم إغتياله بحادث سيارة مدبر ليعود العراق مرة أخرى للسكة البريطانية .
فالعالم آنذاك كان منقسماً إلى خندقين هما خندق الحلفاء الذي يقوده بريطانيا وامريكا والاتحاد السوڤيتي ومعظم دول أوربا . والخندق الآخر كان بقيادة ألمانيا الهتلرية النازية والذي يضم دولاً مثل اليابان وإيطاليا .
وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥ والقضاء على الخندق النازي حدث تخندق آخر قسم العالم إلى قسمين هما الخندق الشرقي بقيادة الإتحاد السوڤيتي الشيوعي ، والخندق الغربي الرأسمالي بقيادة أمريكا وبريطانيا ومعظم دول أوربا الغربية .
وهكذا عندما بدأت علامات إنحياز حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم للمعسكر الشرقي ولو بشكل معتدل فإن النتيجة كانت إنقلاب عسكري مشؤوم (بعثي – قومي) جاء (بقطار أمريكي) في ٨ شباط ١٩٦٣م .
وهكذا إستمر هذا الإنقسام والتخندق في العالم حتى بعد إنهيار الإتحاد السوڤيتي عام ١٩٩٢م رغم إنفراد أمريكا لفترة طويلة بالتحكم بالمصير السياسي العالمي قبل أن ينضج قطبين جديدين هما القطب الصيني والقطب الروسي بقيادة الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” من جهة وأوربي غربي بقيادة الإتحاد الأوروبي وحلفه (الناتو) ليعود التخندق من جديد إلى خندقين رئيسيين مرة أخرى هما الخندق الغربي الأمريكي الأوربي والخندق الروسي (الشرقي) الصيني وحلفاءهما . وجميع دول العالم على الإطلاق متحالفة مع هذا الخندق أو ذاك ، عدا الجمهورية الإسلامية في إيران التي لا تزال ملتزمة بإستقلالها السياسي الإسلامي وفق قاعدة (لا شرقية لا غربية ، جمهورية إسلامية) التي سنها السيد الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران .

٥/ موقف الحياد الواقعي العقلاني :
هذه الشريحة تنظر إلى الأحداث بواقعية وإستقلالية ومصلحية وتتعامل مع الأزمة بعقلانية ومبدئية ،
فمن جهة تتعامل مع هذا الصراع على أساس (لا شرقية ولا غربية) وهي نفس نظرية السياسة الخارجية التي أسس لها السيد الخميني “رض” في التعامل مع المعسكرين الغربي والشرقي بعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩م .
ومن جهة أخرى تتعامل هذه الشريحة على أساس المصالح المشتركة مع أطراف المعسكرين ، ولأن مشتركات أنصار هذا الموقف مع المعسكر الروسي حالياً أكثر من مشتركاتها مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بل أن المعسكر الروسي أقرب الأطراف لمحور المقاومة والممانعة الذي تقوده اليوم الجمهورية الإسلامية في إيران إن لم نقل أن روسيا جزء من هذا المحور بشكل أو بآخر . فإن التعاطف مع المعسكر الروسي مفهوم ومطلوب وصائب .

وهذا الموقف يعود بنا تأريخياً إلى ما حدث في زمن النبي الأعظم محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” عندما إندلعت الحرب بين الفرس والروم وكانت الغلبة للفرس فحزن المسلمون لذلك لأن مشتركات الأمة الإسلامية مع الروم من الناحية العقائدية أكثر من مشتركاتهم مع الفرس لكون الروم يدينون بالديانة المسيحية السماوية . لتأتي بعد ذلك البشرى القرآنية للمسلمين وهي تتنبأ بإنتصار الروم على الفرس لاحقاً في قوله تعالى (أ ل م * غلبت الروم في أدنى الأرض * وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين * لله الامر من قبل ومن بعد * ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) .
فالتعاطف والتضامن القلبي مع المعسكر أو الطرف الأقرب والأكثر إشتراكاً بالمصالح والعقائد والمواقف أمر منطقي وعقلائي .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here