كنوز ميديا / تقارير

بينما كانت تركيا تواجه أزمةً اقتصاديةً واسعة النطاق في السنوات الأخيرة، وتجلت هذه الأزمة بشكل أكبر في الأشهر الأخيرة مع الانخفاض التاريخي في قيمة الليرة، أدى اندلاع الحرب في أوكرانيا إلى تفاقم مشاكل تركيا الاقتصادية، وتعتيم آفاق تحسين الوضع الاقتصادي لحكومة أردوغان.
تشترك روسيا وأوكرانيا في حدود بحرية مع تركيا، وقد تمكنت تركيا في السنوات الأخيرة من زيادة تعاونها مع هذين البلدين في مجالات الطاقة والاقتصاد والتجارة والقطاع العسكري، فضلاً عن تحقيق دخل مرتفع في مجال السياحة. ذلك أن السياح الروس والأوكرانيين يشكلون أكبر عدد من السياح في هذا البلد، مما له تأثير كبير على الاقتصاد التركي.
لكن في غضون ذلك، تسبب الهجوم الروسي علی أوكرانيا وبدء الحرب في ذلك البلد، في أن تشعر تركيا بالتهديد من العواقب الاقتصادية لهذه الحرب أكثر من أي دولة أخرى بسبب وضعها الاقتصادي الهش، وتسعی إلى حلها من خلال الوسائل الدبلوماسية.
تحرك الحكومة التركية لتنفيذ نموذجها الاقتصادي، والذي تضمن خفض أسعار الفائدة لتعزيز الصادرات والاستثمار والسيطرة على التضخم واستقرار عملة البلاد، أدى إلى اقتصاد هش في الأشهر الأخيرة، بحيث تراجعت قيمة الليرة بنسبة 44٪ وارتفع التضخم إلى أكثر من 50٪.
وبالإضافة إلى ارتفاع قيمة الدولار في هذا البلد، ارتفعت أيضًا أسعار السلع الأساسية، وخاصةً الطاقة، مما زاد من هشاشة الوضع والتحدي الاقتصادي لتركيا، فضلاً عن استياء الناس من السياسات الاقتصادية للحكومة.
وفي مثل هذه الظروف، مع بدء الحرب بين أوكرانيا وروسيا باعتبارهما جيران تركيا البحريين، سعت هذه الدولة، مع التأكيد على الحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا، إلى الوساطة لحل هذه الأزمة بشكل أسرع؛ لأن جزءًا كبيرًا من اقتصاد ترکيا وسوق الدخل فيها مرتبطان بروسيا وأوكرانيا في مختلف المجالات.
وعلى سبيل المثال، في مجال الطاقة، تعتمد ترکيا على روسيا ويتم توفير أكثر من 40٪ من غازها عبر روسيا، کما زادت تجارة تركيا مع روسيا إلى 34.7 مليار دولار العام الماضي.
وبسبب هذا الاعتماد على روسيا، ولا سيما في مجال الطاقة، لم تبد تركيا، على الرغم من تصويتها الإيجابي على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المناهض لروسيا، أي اهتمام أو تعاون في فرض عقوبات أمريكية على روسيا.
في غضون ذلك، زادت تجارة تركيا مع أوكرانيا إلى 7.4 مليارات دولار العام الماضي، منها 2.5 مليار دولار من الصادرات التركية، والباقي من الواردات التركية من أوكرانيا.
کذلك، إضافة إلى التعاون الوثيق بين أوكرانيا وتركيا في مجال الصناعة العسكرية، تعدّ تركيا واحدةً من أكبر المستثمرين الأجانب في أوكرانيا. يشار إلى أن روسيا وأوكرانيا تسيطران على 70٪ من واردات زيت دوار الشمس التركي.

من ناحية أخرى، أدى اندلاع هذه الأزمة إلى زيادة بنسبة 50٪ في تكاليف الاستيراد لتركيا، كما أن أسعار المواد الغذائية والحبوب في البلاد آخذة في الارتفاع بنفس المقدار. لأن روسيا وأوكرانيا تشکلان حوالي 80٪ من واردات تركيا من الحبوب.
التأثير الأكبر لحرب أوكرانيا يمكن ملاحظته في مجال صناعة السياحة التركية، والتي تعدّ مصدرًا ماليًا مهمًا لتركيا، والآثار السيئة لهذا المجال سيكون لها تأثير سلبي على اقتصاد هذا البلد بأكمله.
ونظراً لأهمية هذه القضية، يمكن القول إنه في مجال السياحة، يشكل السياح الروس والأوكرانيون حوالي 27٪ من إجمالي عدد السياح الأتراك.
ففي عام 2021 وحده، دخل تركيا حوالي 5 ملايين سائح روسي (19٪)، وأكثر من 2 مليون سائح أوكراني (8٪)، وهو ما يمثل 15٪ من عائدات تركيا.
وفي هذا الصدد، في إشارة إلى تأثير الحرب على صناعة السياحة في البلاد، قال بولنت بولبول أوغلو، نائب رئيس اتحاد الفندقيين الأتراك: “تراجعت الحجوزات من روسيا بنسبة 70 في المائة في اليوم التالي لهجوم الخميس، ويمكن أن يكون السيناريو الأسوأ هو انخفاض عائدات السياحة من البلدين بمقدار 5 إلى 6 مليارات دولار في عام 2022”.
هذا في حين أن تركيا سعت إلى زيادة إيراداتها إلى 35 مليار دولار هذا العام، لکن إذا لم يتم حل الأزمة الحالية في أوكرانيا، فيمكن أن يؤثر ذلك بشدة على هذه التوقعات.
ولهذا السبب، وعلى الرغم من سياستها المزدوجة، تحاول تركيا تحقيق أهدافها باستخدام الأسس الدبلوماسية ولعب دور الوسيط في هذه الأزمة.
وتشمل هذه الأهداف محاولة إنهاء الأزمة بين جيرانها، ورفع مكانة تركيا في العلاقات الدولية كميسِّر ومساعد في حل الأزمات، فضلاً عن المساعدة في إنقاذ اقتصاد البلاد وصناعة السياحة.
من ناحية أخرى، اقترح أردوغان أنه يمكن للبلدين إجراء التبادلات التجارية والمالية بالروبل، بحيث تكون التجارة السنوية مع روسيا أقل تأثراً بالعقوبات.
ومع ذلك، فإن الوضع الاقتصادي في تركيا، والذي بات الآن كعب أخيل أردوغان في المنافسات المحلية، سوف يزداد سوءًا مع تطور الأزمة الأوكرانية.
وهذا الوضع يجعل طريق أردوغان لتحسين الظروف الاقتصادية وعراً جداً، حتى انتخابات البلديات العام المقبل(منتصف عام 2023)؛ انتخاباتٌ تمثِّل مسألة الحياة أو الموت بالنسبة لمستقبل أردوغان السياسي.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here