بقلم // عبد الباري عطوان

الحرب الأوكرانيّة وتعثّر العُقوبات الاقتصاديّة التي فرضها الغرب على روسيا بالتّقسيط، لم تدفع الرئيس الأمريكي جو بايدن لاستِجداء السعوديّة والإمارات أكبر حليفتين لبلاده في الشّرق الأوسط لزيادة إنتاجهما النفطي لتخفيض الأسعار وتعويض خطّ الصّادرات الروسيّة فقط، وإنّما أيضًا استِجداء الصين “الخصم” بعدم الانحِياز للرئيس فلاديمير بوتين في هذه الحرب.

ما يُثير قلق واشنطن توفّر معلومات استخباريّة لديها تُفيد بأنّ الرئيس بوتين طلب من حُلفائه الصينيين مُساعدات عسكريّة واقتصاديّة، وأن ردّ هؤلاء جاء إيجابيًّا، ولو بشَكلٍ جزئيّ على الأقل، وربّما هذا ما يُفسّر تهديد إدارة بايدن بفرض عُقوبات شرسة على الصين، قد تطال ترليونيّ دولار من استِثماراتها في السّندات الحُكوميّة الأمريكيّة، علاوةً على امتِلاك أسهم في العديد من الشّركات الأمريكيّة الكُبرى، وإغلاق السّوق الأمريكيّة الكُبرى أمام صادراتها.

***

الصين رفضت كُل الضّغوط والتّهديدات الأمريكيّة لمنعها من تقديم طوق النّجاة لموسكو، ودعم اقتِصادها لإبطال مفعول العُقوبات الأمريكيّة، وعبّرت عن هذا الموقف برفض إدانة الاجتياح الروسي لأوكرانيا، ودعم مشروع قرار أمريكي في الأمم المتحدة لهذا الغرض، فإذا كانت دول أعضاء في حلف الناتو مِثل ألمانيا وفرنسا رفضت المُشاركة في العُقوبات الأمريكيّة بحظر الغاز والنفط الروسيين، وطرد روسيا من نظام “سويفت” المالي الغربي، فلماذا لا تُعارض الصين بقُوّةٍ هذه العُقوبات التي ترفضها من حيث المبدأ من الأساس سواءً ضدّ روسيا أو أيّ دولةٍ أخرى، وهي التي اكتَوت من نيرانها؟

الرئيس بايدن الذي يعيش حالةً من الارتباك غير مسبوقة، أوفد جيك سوليفان مُستشاره للأمن القومي إلى روما يوم الثلاثاء للقاء المبعوث الصيني يانغ جيستي عُضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الحاكم المُكلّف بالشّؤون الدبلوماسيّة (عدد أعضاء المكتب 25 عُضوًا)، وبعد ستّ ساعات من الاجتِماع المُكثّف وجهًا لوجه لم يتم التوصّل إلى أيّ اتّفاق، وصدر في الختام بيان إنشائي يصف المُحادثات بأنّها كانت “بنّاءةً” ويجب استِمرارها، وهذا يعني باللغة غير الدبلوماسيّة “الفشل الكامِل”.

الأهم من ذلك أن المبعوث الصيني استغلّ هذا الاجتماع للتّعبير عن رفض حُكومته لدعم الولايات المتحدة الأمريكيّة لتايوان الذي وصفه بأنّه يُشكّل انتهاكًا للسّيادة ووحدة الأراضي الصينيّة، مثلما احتجّ على حملات التّشويه والابتِزاز التي تتعرّض لها بلاده، ووصف مصدر دبلوماسي أمريكي أجواء الاجتِماع بأنّها كانت مُتوتّرة، واتّسم النقاش بالحدّة بين الجانبين في مُعظم مراحله.

لا نعرف لماذا تتوقّع أمريكا أن تقف الصين في خندق عُقوباتها لروسيا ولا تقف في خندق الأخيرة في مُواجهتها، فماذا قدّمت أمريكا للصين غير التّهديد والعُقوبات، ودعم خُصومها، وتحشيدهم ضدّها في شرق آسيا، وانتِهاك سِيادتها في بحر الصين، وإرسال الأساطيل والفرقاطات البحريّة لاستِفزازها.

***

روسيا “تُؤدّب” الرئيس الأوكراني زيلينسكي الذي أعلن أمس فُقدانه الأمل في دُخول حلف “الناتو” وكُل أنصاره “النازيين الجُدد” الذين انخرطوا في مُؤامرةٍ أمريكيّة لحِصار روسيا، وتحويل بلادهم إلى قاعدةٍ لحلف “الناتو” لنصب صواريخ باليستيّة نوويّة تُهدّد موسكو والأمن القومي الروسي، والصين تستعدّ لـ”تأديب” تايوان التي خرجت عن طاعتها، وتحوّلت إلى قاعدةٍ أمريكيّةٍ نوويّةٍ في خاصِرتها.

بعد اجتِياح الدبّابات الروسيّة للعُمُق الأوكراني ومُحاصرة كييف وتحقيق أبرز أهدافها وتغيير النظام فيها، سيأتي الدّور لتطبيق السيناريو الصيني باجتِياح تايوان من خِلال السّفن والأساطيل الحربيّة الصينيّة، وبغضّ النّظر عن نتائج الحرب الأوكرانيّة، ستَخرُج الصين الفائز الأكبر، والقُوّة العُظمى الجديدة التي تُطيح بالهيمنة الأمريكيّة التي استمرّت مُنذ الحرب العالميّة الثانية عام 1945، وننصحكم بتعليم أولادكم التّاريخ واللغة الصينيّة استِعدادًا لبَدء العصر الصيني.. والأيّام بيننا.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here