بقلم //  معن بشور 

تمرّ بنا هذه الأيام الذكرى التاسعة عشرة للعدوان والاحتلال الأمريكي للعراق في ظلّ ظروف دولية خطيرة تتمثّل بالحرب الدائرة في أوكرانيا حيث “تنتفض” دول الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة بوجه الاتحاد الروسي بذريعة الدفاع عن سيادة دولة مستقلّة، وهي الذريعة التي جرى تمزيقها عشية الحرب على العراق، وقبلها على أفغانستان، ودائماً في فلسطين.

فما كان “حلالاً” قبل سنوات في العراق وافغانستان بات “حراماً” اليوم في أوكرانيا، رغم ان الأمن القومي لروسيا مهدّد في أوكرانيا الواقعة على حدود روسيا، فيما العراق وأفغانستان يبعدان آلاف الكيلومترات عن الولايات المتحدة.

لكن تذكّر ذلك العدوان، وما نجم عنه من احتلال ما زالت بقاياه الأميركية والإسرائيلية جاثمة على أرض العراق وقرار حكّامه، ليس هو الوحيد الذي نحتاجه هذه الأيام، بل أيضاً التبصّر في تداعيات ذلك العدوان والاحتلال الكارثية، ليس على العراق وحده، بل على الامة كلها التي واجهت تصعيداً غير مسبوق في الاستباحة لكرامتها وحقوقها وسيادتها في غير قطر، بهذه الذريعة أو تلك، لا سيّما بعد أن فقدت المنطقة بأسرها بلداً بوزن العراق وحجمه ودوره المشهود في مواجهة الحروب والمؤامرات على الأمة.

ورغم أن معظم القوى الحيّة في الأمة والعالم قد نبهّت لخطورة تلك الحرب، وامتلأت شوارع العواصم في العالم بالمظاهرات والمسيرات الشاجبة لها، بما فيها المدن الأميركية والبريطانية نفسها، وكذلك كان الرفض اللبناني والسوري، ممثلاً بموقف الرئيسين بشار الاسد و اميل لحود في قمة شرم الشيخ، وبموقف السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله، الذي دعا قبل أيام من تلك الحرب إلى “طائف عراقي- عراقي” يشكّل سداً بوجه عدوان سيدمّر العراق وتستشري تداعياته في المنطقة كلها، وبرغم المسيرات الشعبية الصاخبة التي اطلقتها قوى لبنانية وفلسطينية في العاصمة والمناطق شجباً لتلك الحرب وتحذيراً من تداعياتها والتي توجّتها مسيرة “الوفاء والكرامة” وضمت أكثر من 150 الف لبناني وفلسطيني، والتي انطلقت من كل لبنان الى القصر الرئاسي في بعبدا، وقصر الروضة في دمشق، محيية موقف الرئيسين الرافض للحرب على العراق، إلاّ ان حزب الحرب في أمريكا وبريطانيا واتباعهما بقي مصراً عليها ليفتتح بعدها عصراً من الحروب والفتن، كان أول نتائجها استهداف سورية في لبنان عبر انسحاب قواتها من أرضه، ثم لبنان نفسه من خلال العدوان الصهيوني عام 2006 وما تلاه من انقسامات وتدهور في أوضاعه الداخلية، ما زال يواجهها حتى اليوم، ناهيك عن إشعال فتن وحروب أهلية في العديد من أقطار الأمة التي كادت ان تنهار لولا بقاء شعلة المقاومة والصمود مشتعلة في عدد من اقطارها بوجه العدوان والاحتلال وتداعياتهما.

 

فهل أجرينا جميعاً تقيمياً ضرورياً لمواقفنا من تلك الحرب التي تحمّل معارضوها يومها شتّى أنواع الاتهامات الظالمة، من أجل أغلاق ثغرة خطيرة في مجتمعنا العربي والإسلامي، ما زالت القوى المعادية لأمتنا تنفذ منها.

 

والمراجعة المطلوبة تشمل الجميع وتتطلّب تشخيص الأسباب والمبررات، والاخطاء والخطايا التي وقعنا فيها حين غلّبنا اعتبارات ذاتية عابرة على اعتبارات موضوعية كبرى فضاعت لدينا المقاييس وأنغمسنا في صراعات وتناقضات أقل ما يُقال فيها انها لا تقاس في حجمها وتأثيرها في الصراع مع العدو والتناقض الرئيسي مع مشاريعه ومخططاته.

وحول أول الدروس التي ينبغي استخلاصها من هذه المراجعة يكمن في ضرورة تشكيل كتلة تاريخية في أمتنا ومنطقتنا عنوانها مواجهة المطامع الاستعمارية والمخططات الصهيونية، وإخضاع كل خلافاتنا العقائدية والسياسية لمتطلبات حشد قوى الأمة في هذه المواجهة.

والخطوة الأولى في هذا الطريق تبدأ “بأقصاء” منطق الاقصاء في علاقاتنا الداخلية، داخل أقطارنا خصوصاً وأمتنا عموماً، فإذا كان للإقصاء مبرراته عند البعض فإن لمنطق التواصل والتفاعل والتكامل مبررات تفوق تلك المبررات بعشرات الاضعاف.

أما الخطوة الثانية المطلوبة في هذا الاطار فهو تعزيز المقاومة، خياراً ونهجاً وثقافة وسلاحاً في مواجهة الأعداء، فلقد أكدت تطورات السنوات الماضية أن الرافعة الرئيسية لإرادة التحرّر والنهوض والوحدة في الأمة هي في المقاومة التي أثبتت فعاليتها في العراق والتي تثبت قدراتها اليوم في فلسطين ولبنان وصولاً لسورية والبحرين واليمن.

فالمقاومة ليست شأناً وطنياً خالصاً فحسب، بل إنها شأن قومي كبير، بل باتت شأناً عالمياً يتكامل مع حال أمم عدّة تتمرّد اليوم على نظام القطب الواحد، والهيمنة الاستعمارية التي سادت لثلاث عقود، وكانت الحروب على العراق مدخلها كما أعلن غير مرة مسؤولون أميركيون تحدثوا عن مشاريع العولمة على مستوى الكون، ومشروع الشرق الأوسط الكبير على مستوى الأمة.

ولتكن ذكرى الحرب والاحتلال في العراق عام 2003، دعوة لرصّ الصفوف وتجاوز الصراعات البينية المدمّرة، وتوجيه التحية الخالصة لشهداء المقاومة العراقية الذين بدمائهم ودماء كل المقاومين في الأمة حفروا ويحفرون تاريخاً جديداً لنا جميعاً، علينا ألاّ نخسره.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here