بقلم // عبد الباري عطوان 

ربّما من “حسنات” الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي النّادرة كشفه للوجه الحقيقي “الانتِهازيين” “لإسرائيل”، ليس أمام حُلفائها والعالم فقط، وإنّما أمام اليهود أيضًا، وذلك من خِلال خِطابه الذي ألقاه في “الكنيست” عبر تطبيق “الزووم” يوم أمس، وطالبها فيه بتغيير سياستها “الحياديّة” ودعم بلاده في مُواجهة الاجتِياح الروسي.

زيلينسكي اليهودي الدّيانة أثار حالةً من الاستِياء في أوساط قِطاع عريض من الإسرائيليين، على رأسهم رئيس الوزراء نفتالي بينيت عندما شبّه في خِطابه العمليّة العسكريّة الروسيّة الحاليّة في أوكرانيا بالمحرقة أو “الهولوكوست”.

والنّقطة الأخرى المُهمّة في الخِطاب “مُعايرته” أبناء جلدته اليهود بالقول إن الأوكرانيين هرعوا لإنقاذ يهود ألمان من هذه المحرقة، وأفران الغاز، ولهذا يستحقّون موقفًا داعمًا من “إسرائيل” في هذا الظّرف الحَرِجْ الذي يمرّون فيه، أيّ أنّكم ناكروا الجميل.

***

ما أغضب الإسرائيليين، وحُكومتهم المُنقسمة على وجه الخُصوص، ليس مُقارنة ما يجري في أوكرانيا بالمحرقة النازيّة، وإنّما تعرية موقف الدولة العبريّة أمام حُلفائها الأمريكان والأوروبيين الذين لعبوا دورًا كبيرًا في قيامها وتوفير كُل أسباب البقاء المالي والعسكري لها على أرض فِلسطين المُغتصبة بادّعاء الحِياد، وعدم الانضِمام إلى العُقوبات الاقتصاديّة التي جرى فرضها على روسيا من قبل حلف “النّاتو” بزعامة أمريكا.

زيلينسكي ربّما فشل في تغيير موقف الحُكومة الإسرائيليّة وتجنيده لدعم موقف بلاده في الأزمة التي تعيشها حاليًّا، ولكنّه قد يكون لعب دورًا رئيسيًّا في تغيير مواقف حُلفائها الأمريكان والأوروبيين تُجاهها، بطَريقةٍ أو بأخرى، وهو تغييرٌ “مُفترض” يحتاج إلى وقتٍ لكيّ يظهر على أرض الواقع، ففي زمن الحُروب تتغيّر الأولويّات وتترسّخ سياسة كظْم الغيْظ، ولكن إلى حين.

تبنّي الحُكومة الإسرائيليّة لحِياد “مُصطَنع” في الأزمة الأوكرانيّة والهُروب إلى مُحاولة القِيام بجُهود وساطة بين موسكو وكييف، لن يكون مُقنِعًا لأيّ من الطّرفين، ويتّضح هذا من خِلال تبادل الأدوار بين بينيت رئيس حُكومة التّبادل وشريكه يائير لبيد وزير الخارجيّة الذي وقف مُنذ اليوم الأوّل في الخندق الأمريكي وأدان “الغزو الروسي” لأوكرانيا على أمل كسب طرفيّ الحرب وهي حيلة لن تنطلي على أيّ منهما، أو هكذا نعتقد، فدولة الاحتِلال ليست سويسرا ولا فنلندا، وإنّما دولة عُنصريّة ارتكبت جرائم حرب، وما زالت، وسفكت دماء شُعوب عربيّة في مجازر مُتعدّدة بدَعمٍ أمريكي.

إذا كان زيلينسكي يصف الاجتياح الروسي بالمحرقة، فإنّه هو الذي يتحمّل مسؤوليّة اقتِياد شعبه إلى أفرانها عندما قبل أن يكون “دُمية” في يَد المُؤامرة الأمريكيّة، مع تسليمنا مُسبقًا بأنّ التّشبيه في غير مكانه، فالقوّات الروسيّة التي اقتحمت المُدُن الأوكرانيّة لم ترتكب أيّ مجزرة، وأظهرت حِرصًا أكيدًا على حياة المدنيين، ووفّرت لهم “ممرّات آمنة” للنّجاة بحياتهم، واستوعبت مِئات الآلاف من اللاجئين على أرضها لإيمانها بروابط الأخوة والأصل والصّداقة بين الشّعبين، وصبرت أكثر من ثماني سنوات على اضّطهاد الأوكرانيين من أصلٍ روسي في دونباس، وحذّرت من انضِمام أوكرانيا لحِلف الناتو.

***

حُكومة إسرائيل التي تخلّت عن زيلينسكي، وأدارت ظهرها للحاضنة الأوروبيّة الأمريكيّة، التي أنشأتها ورعتها لأكثر من 80 عامًا، ستفعل الشّيء نفسه، إن عاجِلًا أو آجِلًا، للرئيس بوتين والاتّحاد الروسي، فسياسة الرّقص على كُل الحِبال باتت تمثيليّة مكشوفة ولم تعد تخدع أحدًا أو تحظى بأيّ مِصداقيّة، مُضافًا إلى ذلك أن إسرائيل لم تَعُد الدّولة القويّة التي تُرَجِّح كفّة حُلفائها الجُدُد أو القُدامى خاصَّةً بعد أن بدأ الصندوق القومي اليهودي الذي ساهم بتأسيسها بأموالٍ يهوديّة، يبحث عن ملاذاتٍ آمنة للمُستوطنين في الجُزُر اليونانيّة غير المأهولة، هربًا من صواريخ محور المُقاومة.

نتمنّى أن يكون المُطبّعون العرب يُراقبون هذا التّلاسن بين زيلينسكي والإسرائيليين أبناء جِلدته الذين يحمل جنسيّتهم ودعم كُل حُروبهم، ومجازرهم في قِطاع غزّة وأرسل سلفه قُوّاتًا للمُشاركة في تدمير العِراق وغزوه، واحتِلاله، ويستخلصون الدّروس والعبر، فمَن يخذله وشعبه، وأمريكا وأوروبا من خلفهم، لا يُمكن أن يُوَفِّر لهم الحِماية والتّحالف الجدّي الذي يتطلّعون إليه.. والأيّام بيننا.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here