بقلم//د. علي مطر

شهر مرّ على العملية الروسية في أوكرانيا، العالم بأكمله يترقب ما سوف تؤول إليه الأمور. والمتابع يسأل ماذا حققت روسيا من هذه العملية؟ هل استطاعت أن تصل إلى الأهداف التي أرادتها، أم أن بطء العملية العسكرية مرتبط بتحقيق هذه الأهداف من أجل تثبيت جدول أعمال تفاوضي يلبي طموحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟

الكل يعلم أن ما يحصل في أوكرانيا اليوم، هو في العلن عملية عسكرية لروسيا في أوكرانيا، لكن واقع الحال أن ما يحصل هو حرب غير مباشرة بين موسكو وواشنطن ومعها حلف شمال الأطلسي، والهدف الأساسي منها هو احتواء روسيا، وجعلها دولة محاصرة عسكرياً واقتصادياً، وتصويرها كما جرت العادة الأميركية على أنها دولة مارقة. فمن يقف وراء الأزمة الروسية الأوكرانية هي أولاً وأخراً واشنطن، وهذه الأزمة ليست مستجدة، بل نشأت نتيجة تناقض المصالح الاستراتيجية بين الإدارة الأميركية وروسيا الاتحادية، بسبب تحويل أوكرانيا إلى دولة حليفة للغرب واستخدامها لتهديد الأمن القومي الروسي.

ولمعرفة ما حققته العملية العسكرية الروسية من أهداف سياسية، يجب معرفة أن أوكرانيا ذات أهمية جيوستراتيجية لموسكو، وتعد سياسياً واقتصادياً دولة مهمة لها، لكونها خاصرة رئيسية بالنسبة إليها، وموقعا جغرافيا يفصل بينها وبين “معسكر القوى الغربية”. ويمكن الرجوع للخريطة وقراءتها من ناحية حيبولتيكية، لمعرفة تلك الأهمية، فيما يرتبط البلدان بعلاقات كبيرة، ثقافية واجتماعية، وخصوصاً في المناطق الحدودية.

كلّ هذه الأمور تجعل أوكرانيا “حديقة خلفية” بالنسبة إلى موسكو التي ترفض التخلّي عنها، كما ترفض تَحَوُّلَها إلى “وصاية الغرب”. وتمثّل أوكرانيا لروسيا البناء الأساسي لمجالها الجيوستراتيجي الأوروبي. وبالتالي، إنَّ غياب كييف عن الطوق الروسي يشكّل فجوة كبرى في جدار الأمن الاستراتيجي الروسي – الأوراسي والسيطرة على العالم.

كذلك، يعد البحر الأسود أحد أكثر أسباب الصراع حالياً، لأنَّ “الناتو” يعمل إلى جانب الأسطول الأميركي فيه، وهو ما تعتبره روسيا تهديداً، وهو معبر مهم للطاقة ووصول روسيا إلى المتوسط، إذ يشكّل البحر الأسود منطقة استراتيجية مهمة وحساسة تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية لعدد كبير من الدول المطلة عليه، كل ذلك يجعل أوكرانيا أرض كباش بين مصالح الغرب ومصالح روسيا، ما دفع الأخيرة إلى تلمّس محاولات لكسرها، لأن سيطرة الغرب على هذا البلد تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي، وهذا ما جعل روسيا تنحو نحو عمليتها العسكرية التي حققت من خلالها عدة أهداف أساسية حتى الآن.

الهدف الأساسي والمهم والاستراتيجي الذي حققه فلاديمير بوتين إلى الان، هو أنه جعل أوكرانيا دولة بعيدة عن “الناتو”، فلنتخيل فعلاً لو أنه تم قبول أوكرانيا في “الناتو”، ما يعني ذلك من إمكانية وصول الصواريخ الأميركية إلى موسكو خلال دقائق، ويجعل روسيا أمام تهديد وجودي من قبل “الناتو”، وسيدفعها للمواجهة معه، وبالتالي فقد استطاعت روسيا أن تسقط سياسة الغرب التي استمرت ثماني سنوات لإنشاء نظام عدواني لروسيا على أراضي أوكرانيا.

ما كانت تطالب به روسيا من ضمانات أمنية، بمنع مزيد من التوسع نحوها من قبل “الناتو”، وإعادة القدرات العسكرية والبنية التحتية للحلف في أوروبا إلى الوضع الذي كان عليه عام 1997 عندما تمَّ التوقيع على القانون التأسيسي للعلاقات المشتركة والتعاون والأمن بين روسيا وحلف الناتو، لم يلتزم به الغرب، بل تحقق اليوم من خلال هذه العملية العسكرية.

الهدف الثاني الأساسي، وهو الذي شكل عنصر مفاجأة وصدمة مع بدء العملية العسكرية، كان يتمثل في نزع سلاح أوكرانيا، ومنع وصولها إلى دولة نووية تهدد أمن روسيا، وهذا الهدف تحقق منذ بدء العملية العسكرية، من خلال توجيه ضربات لمقرات الأسلحة والصواريخ والطائرات والمطارات، من دون أن تمس المدن والمناطق السكنية بدمار من خلال ذلك.

تسعى موسكو، ايضاً، الى حماية السكان شرق أوكرانيا، من خلال التخلص مما اسمتهم النازيين الجدد، وايقاف الدعم الذي يتلقونه من نظام كييف، الذي يرتكب جرائم دموية ضد مواطنيه والمواطنين الروس الذين يعيشون هناك، وفي المقابل تجنيب السكان والمدن الدمار والخسائر، لذلك كانت تقتصر عمليات القوات الجوية الروسية بشكل عام على توجيه الضربات الدقيقة، بهدف الحفاظ على البنية التحتية المدنية، وهذا ما جعل العملية تتباطأ مع تحقيق الأهداف بدقة وتأن، وصولاً إلى تطهير أوكرانيا من هيمنة النازيين ونزع السلاح والانتقال إلى الحياد.

إلى جانب ذلك كله، فإن روسيا دائماً تلوح بورقة المفاوضات، ما يظهر مدى اهتمامها بأن يتم تحقيق الأهداف بالتزامن مع حماية أوكرانيا كبلد وشعب من الدمار قدر الإمكان، ومنع الغرب من تحقيق أهدافه فيه، فضلاً عن منع استنزاف القوات الروسية في حرب المدن، علماً أن الغرب يعلم أن موسكو لو أرادت تسريع وتيرة العمليات العسكرية لتمكنت من اقتحام كييف وتغيير النظام الموجود، إلا أنها إلى الان تراعي الشعب الأوكراني وتسعى إلى تحقيق أهدافها من خلال هذه العملية بأقل قدر ممكن من الخسائر للطرفين.

وعلى المستوى الإقليمي والدولي، وجهت موسكو إلى الان، ضربة لحلف الناتو من خلال إيقاف تمدده شرقاً، نحو دول لم تكن في الحلف سابقاً كأوكرانيا وجورجيا وغيرهما، بالإضافة إلى تهديد دول هي في الحلف من إمكانية التوسع نحوها في حال تهديد الأمن القومي الروسي، هذا فضلاً عن التلويح بورقة الطاقة التي تجعل أوروبا اليوم تدين لروسيا بها، وتحسب الحسابات لكي لا يقوم بوتين بإيقاف إمداد أوروبا بالطاقة، كما أن موقف الأطراف الأوروبية كلها بدأت تتبدل ولم تكن راضية تماماً عن التصرفات الأميركية، وهو ما ينسحب على الساحة الدولية من خلال تمكن روسيا من كسب أطراف كانوا في السابق حلفاء لواشنطن، ومن ثم القول للإدارة الأميركية إنك لست وحدك من يقود العالم.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here