بقلم// عادل الجبوري

تصاعدت في الآونة الأخيرة الاعتداءات العسكرية التركية – جوًا وبرًا- على مدن ومناطق مختلفة في إقليم كردستان بشمال العراق، تحت ذريعة ملاحقة عناصر وتشكيلات حزب العمال الكردستاني التركي المعارض(PKK)، وقد أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المواطنين المدنيين، ناهيك عن وقوع خسائر مادية غير قليلة بالممتلكات العامة والخاصة.

ورغم أن مثل تلك الاعتداءات لا تشكل عنصرًا جديدًا في اطار التعاطي التركي العدواني مع السيادة الوطنية العراقية، إلا أن المختلف في الأمر هو تصاعد وتيرة تلك الهجمات وزيادتها كمّيًا، وكذلك استهدافها لمدن ومناطق أعمق وأبعد في الجغرافيا العراقية، وفي ظل غياب أي استجابة للدعوات والاعتراضات والادانات والتحفظات العراقية.

وانتقلت أنقرة من العمل والتحرك على استحياء، ومحاولة عدم اثارة حفيظة العراقيين، الى الحديث المباشر والصريح والاجراءات العملية الاستفزازية على أعلى الصعد والمستويات.

فعلى سبيل المثال، أعلن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أواخر شهر نيسان-أبريل الماضي، نية بلاده إنشاء قاعدة عسكرية جديدة في منطقة متينا شمال العراق، مشيراً خلال اجتماع للجنة الإدارية المركزية والمجلس التنفيذي لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم إلى الأهمية الاستراتيجية الكبيرة لهذه المنطقة، باعتبار أنها تقع على مقربة من جبال قنديل، التي تعد من أهم معاقل حزب “العمال” الكردستاني,ويضيف الوزير المذكور: “إن عملياتنا في شمال العراق ستتواصل، وتعد منطقة متينا مكاناً مهماً. وعلى غرار ما فعلناه في سوريا، سننشئ هناك قاعدة، وسنسيطر على المنطقة“.

وفيما بعد، أقدم زميله وزير الدفاع خلوصي اكار على خطوة بعيدة كل البعد عن السياقات الدبلوماسية، حينما دخل إلى الأراضي العراقية، وتفقد المنطقة المزمع إنشاء قاعدة عسكرية فيها، برفقة كل من رئيس أركان الجيش التركي وقائد القوات البرية. هذا في الوقت الذي قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في خطاب لتجمع من أنصار حزبه في منتصف شهر شباط-فبراير الماضي: “لا جبال قنديل، ولا سنجار، ولا سوريا! من الآن، لم يعد هناك مكان آمن لهؤلاء الإرهابيين”، وهو يقصد هنا عناصر حزب “العمال” المتمركزين في شمالي العراق، واراد القول انه لا يوجد هناك ما يمنع حكومته من ارسال جيشه إلى أي مكان.

وتنقل مصادر استخباراتية ووسائل اعلام تركية وأجنبية معلومات مثيرة ومقلقة عن التواجد العسكري التركي في العراق، والذي ربما يتجاوز العشرة آلاف عنصر عسكري وأمني، حيث تعترف انقرة بامتلاكها سبعة وثلاثين موقعاً عسكرياً في شمال العراق، بعضها قواعد عسكرية ومعسكرات كبيرة وثابتة، وبعضها الاخر نقاط ومقرات غير ثابتة. وتؤكد المصادر بأن هذه المواقع والقواعد موجودة في عمق يتراوح بين عشرة كيلومترات وثمانين كيلومتراً، ويتمركز أغلبها في مناطق تابعة لنفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود البارزاني، والمعروف بخصومته التقليدية مع حزب “العمال” التركي المعارض.

وقد استغلت انقرة اجتياح تنظيم “داعش” الارهابي لمدن ومناطق عراقية عديدة في صيف عام 2014، لتتمدد وتتدخل أكثر فأكثر، ففي عام 2015، أي بعد حوالى عام على الاجتياح الداعشي، أنشأت تركيا معسكرات إضافية جديدة في مدن بعشيقة وصوران وقلعة جولان وزمار، وحوّلت معسكرها في منطقة حرير جنوب أربيل إلى قاعدة عسكرية، وقامت ببناء قاعدة سيدكان، وفتحت بضعة مقرات في مدينتي ديانا وجومان القريبتين من جبال قنديل، من أجل إحكام السيطرة على مناطق خنير وخاوكورك وكيلاشين، وبالتالي الاقتراب من مواقع تمركز تشكيلات حزب العمال الكردستاني.

وكذلك تملك شركة “بيت أويل” أيضاً حصصاً في حقول جيا سورخ وبلكانة بنسبة 20%، فضلاً عن أنَّ الجزء الأكبر من أنبوب نفط الإقليم الذي يمتدّ إلى ميناء جيهان التركي يقع داخل الأراضي التركية، إذ يبلغ طوله 896 كيلو مترا، ويبدأ من حقل خورملة جنوب أربيل، ويمتدّ داخل أراضي إقليم كردستان إلى مسافة 221 كلم، حتى منطقة فيشخابور قرب الحدود مع تركيا، ويقع 675 كلم منه داخل الأراضي التركية، ويخضع لإشراف شركة “بوتاش” التركية التي تجني عوائد مالية كبيرة منه، علما ان مجمل عمل تلك الشركات يعدّ غير قانوني، لانه لم يتم بالتنسيق مع الجهات المعنية في الحكومة الاتحادية بالعاصمة بغداد.

من الطبيعي جدا أن كل ذلك الثقل العسكري والاستخباراتي والاقتصادي التركي يمكن أن يمتد إلى المشهد السياسي، بصورة مباشرة وغير مباشرة، ومن ثم يوفر لأنقرة هامشاً كبيراً للتأثير في صياغة المعادلات السياسية العراقية، وعلى نطاق أوسع المعادلات الإقليمية. وقد لاحت معالم ذلك التأثير وملامحه بدرجة بعد الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت في العاشر من شهر تشرين الاول-اكتوبر الماضي.

ولأن لتركيا الكثير من المطامع والطموحات التوسعية في اطار السعي لاستعادة امجاد الامبراطورية العثمانية التي انهارت وتلاشت قبل قرن من الزمان، فلا شكَ في أن العراق يعدّ في مقدمة الدول التي تتطلع تركيا للتمدد فيها، لا سيما أن عيونها مشدودة وشاخصة دوما نحو الموصل وكركوك، وانها تجد الكثير من العوامل والظروف والدوافع التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية تساعد وتساهم في ذلك. وربما مع مرور الوقت، تتعدد وتتنوع أساليب ووسائل التدخل والوجود التركي في العراق.

ويبقى التساؤل قائما عن السبل الكفيلة بوضع حد للعبث التركي في الشمال العراقي، ما دامت مشاهد وصور الانتهاكات والتجاوزات والاعتداءات تتكرر دون توقف ولا تردد.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here