للدكتور علي المؤمن

 بقلم: د. محمد علي السعدي

منهج الكتاب

    لقد حدد المؤلف الدكتور علي المؤمن في بداية الكتاب موضوع الدراسة التي قام بها، وهو المجتمع الإنساني الذي أفرزه التشيع في عصر الغيبة، وهوية هذا المجتمع وأنساقه ومكوناته، وهو ما عبر عنه بـ ((النظام الاجتماعي الديني الشيعي)). وبما أن المؤلف أشار في المقدمة الى كون منهجه في الكتاب هو الوصفي التحليلي، لذلك؛ نرى أن من الضروري هنا التعريف بالمنهج الوصفي التحليلي.

    إن المنهج الوصفي التحليلي أحد فروع المنهج الوصفي المتخصصة التي كانت بمثابة أحد التطورات التي قام بها الباحثون العلميون بإضافتها على صورة المنهج الوصفي الأصلية البدائية، ليقوم فيها المنهج الوصفي التحليلي بوظيفة إضافية أكثر مرونة وفائدة، بجانب وصف الظواهر عن طريق الملاحظة وطرقها المختلفة، حيث يقوم بعمل ما يطلق عليه تحليل الظواهر ومقارنتها بشكل أكثر تفصيلاً. ومن هنا كان تعريف المنهج الوصفي التحليلي أنه ذلك المنهج الوصفي المتعمق الذي يقوم فيه الباحث العلمي بوصف الظواهر والمشاكل العلمية المختلفة، وحل المشكلات والتساؤلات التي تقع في دائرة البحث العلمي، ثم يتم تحليل البيانات التي تم جمعها عن طريق المنهج الوصفي، حتى يمكن إعطاء التفسير والنتائج المناسبة عن تلك الظاهرة، كما يستطيع الباحث العلمي كذلك، أن يضع الظواهر المختلفة في المقارنات بين الظواهر المشابهة، عن طريق المنهج الوصفي التحليلي، حتى يمكن تجميع البيانات المختلفة عن الفروق والمتشابهات بين تلك الظواهر، وهي أهم المميزات التي تميز المنهج الوصفي التحليلي عن غيره من المناهج العلمية، وتعزز استخداماته في البحث العلمي بشكل كبير.

 منهج دراسة الاجتماع الديني الشيعي

    بعد أن قدّم الدكتور المؤمن تقويماً مختصراً لمناهج علم الاجتماع الديني الوضعي؛ خرج بنتيجة مهمة، وهي أن هذه المناهج ليس لها القدرة على دراسة النظام الديني الاجتماعي الشيعي أو الظاهرة الدينية الاجتماعية الشيعية؛ دراسة موضوعية تكشف بالفعل عن حقائق الظاهرة وبناها المركبة، وبيَّن المؤلف السبب بقوله: ((إن المباحث التقليدية لعلم الاجتماع الديني تقتصر على دراسة الظواهر الدينية الاجتماعية، وتأثير الدين في إيجاد الظواهر الاجتماعية المنسوبة اليه، ولا يتمدد الى دراسة الظواهر الاجتماعية السياسية والظواهر الاجتماعية الثقافية والظواهر الاجتماعية المعرفية، لأنها ظواهر مستقلة ــ عادة ــ عن الأديان والمذاهب الأخرى)). وإذ تفرز الأديان ومؤسساتها ظواهر دينية اجتماعية غالباً، بينما يضم النظام الديني الاجتماعي الشيعي جميع هذه الظواهر، وتنتمي اليه كل المؤسسات الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية والمعرفية الشيعية.

    والذي دعى المؤلف لقيامه بهذه الدراسة التوصيفية التحليلية للظاهرة الدينية الاجتماعية الشيعية، حسب قوله، هو أن اغلب الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة، لم تأخذ بنظر الاعتبار فرادة هذه الظاهرة، ولم تراع خصوصياتها المركبة، حتى التي كتبها باحثون مسلمون وعرب، وبينهم شيعة، لأنهم أخضعوا هذه الظاهرة لمناهج علم الاجتماع التقليدي ومفاهيمه ومعادلاته ومصطلحاته، كأية ظاهرة اجتماعية دينية أخرى، مما أدى الى وقوع هذه الدراسات في فخ التشويه وعدم الموضوعية. وبيَّن المؤلف مسألة مهمة وهي أن علم الاجتماع الديني الشيعي لا يعنى بدراسة التشيع كمذهب ديني عقدي فقهي، بل بدراسة الشيعة كظاهرة اجتماعية سياسية وثقافية مركبة. كما بيَّن المؤلف أن علم الاجتماع الديني الشيعي الذي يعمل على تثبيت أسسه وقواعده المعرفية، يختص بالشيعة الإمامية الإثنا عشرية فقط، وبصرف النظر عن حجم التزامهم الشعائري والطقسي بل والعقدي أحياناً.

    وحدد المؤلف عناصر التشيع ومجتمعه بستة عناصر أساسية، هي: العنصر العقدي، العنصر السلوكي، العنصر التاريخي، العنصر الطقوسي والعنصر الاجتماعي، وأراد من هذا البيان أن يحدد ماهية العنصر الذي سيكون موضوعاً لعلم الاجتماع الديني الشيعي، ألا وهو العنصر الاجتماعي.

    وسلّط المؤلف الضوء على بعض المميزات الأساسية للاجتماع الديني الشيعي، باستناده الى قاعدة غيبية، تتمثل في نيابة سلطة النظام الديني الاجتماعي الشيعي عن القائد الحقيقي الغائب، وهو الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر، وبيَّن أن المسلمين، وإن كانوا عموماً يعتقدون بعقيدة المهدي، وأن قائداً إسلامياً مصلحاً سيظهر في آخر الزمان، لينشر العدل الإسلامي في كل الارض، لكن الفرق الأساس بين الشيعة والسنة في هذا المضمار، هو أن المعتقد المهدوي ليس له مدخلية تشريعية عند السنة، ولا يؤثر غيابه في وجودهم وسلوكهم المذهبي الاجتماعي. أما عند الشيعة؛ فان وجوده ليس مجرد عقيدة نظرية عامة لا تؤثر في الواقع الاجتماعي، بل هي عقيدة اساسية، تستند اليها السلطة الدينية الاجتماعية المركزية في شرعية وجودها.

    ومن المميزات الأُخر للاجتماع الديني الشيعي ــ حسب الدكتور المؤمن ــ إنه اجتماع عالمي متماسك، وليس اجتماعاً محلياً أو إقليمياً، وان الأواصر المذهبية الاجتماعية المشتركة التي تشد وحداته المحلية ببعضها أو الى المركز، هي أقوى بكثير من التباين اللغوي والقومي والوطني.

    وحتى يتوصل المؤلف الى معالم علم الاجتماع الديني الشيعي؛ فإنه توقف عند الظواهر المتفرعة عن الظاهرة الكلية التي اصطلح عليها النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وحددها بست ظواهر أساسية وهي كالتالي:

1- ظاهرة السلطة الدينية الاجتماعية، وهي باختصار تمثل قمة هرم النظام الديني الاجتماعي الشيعي، وتتمثل في المرجعية الدينية أو ولاية الفقيه.

2- ظاهرة المؤسسة الدينية العلمية، وتتمثل في الحوزة العلمية والمؤسسات العلمية الدينية التابعة لها.

3- الظاهرة الشعائرية والوجدانية والطقسية، وتتمثل في المساجد ومراقد آل البيت والحسينيات وأمثالها.

4- ظاهرة المال الشرعي، وتتمثل في المؤسسات المالية والاقتصادية الداخلية ومصادرها.

5- ظاهرة المؤسسات الداعمة، وهي المؤسسات والجماعات والشخصيات السياسية والعسكرية والإعلامية والثقافية.

6- ظاهرة القاعدة الاجتماعية، وتتمثل في عموم الشيعة سواء الملتزمين دينياً أو غير الملتزمين.

     وأوضح الدكتور علي المؤمن رؤيته التأسيسية في مفهوم “النظام الاجتماعي الديني الشيعي”، وذلك من خلال توضيحه للمصطلحات والمفاهيم المكونة لهذا المصطلح المركب الجامع، ويعتقد المؤلف أن هذا المصطلح قديم وله جذوره، إلا أن الحداثة هي في المداخل العلمية المتعددة لدراسته، لذلك هو بحاجة الى تفكيك وتوضيح المراد منه بدقة. وبيَّن المؤلف الى أنه توصّل الى صياغة هذا المصطلح خلال بحثه عن مصطلح جامع يستوعب كل جوانب الكيانية الشيعية في بعديها النظري والعملي. ونرى من خلال دراسة الدكتور المؤمن لهذا المصطلح الجامع أن أهم مفهومين مكونين له هما المذهب الشيعي والطائفة الشيعية، وهما مفهومان مختلفان في مداليلهما، فالمذهب الشيعي مرادف لمفهوم (التشيع)، والطائفة الشيعية مرادف لمعنى (الشيعة)، وهناك فرق أساس بينهما؛ فالتشيع يدل على العقيدة الاسلامية الشيعية والفقه الاسلامي الشيعي، أو الإسلام من وجهة نظر مدرسة آل البيت، وهو تعبير عن نظرية دينية، أما الشيعة فهم الكتلة البشرية المنتمية بالوراثة – غالباً – الى هذه النظرية، أي أنهم مجتمع المذهب وليس المذهب نفسه.

     وبيَّن المؤلف أن أهم ما يميز الشيعة كمجتمع عن غيرهم، هو تحولهم الى جماعة مستقلة ــ غالباً ــ عن الدولة في مساراتها الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية والحسبية، بفعل عوامل ثلاثة لا تزال قائمة وبقوة، وهي:

1- طبيعة تعاليم آل البيت وسنتهم.

2- فقدان الشيعة للسلطة السياسية والدول الراعية الحامية.

3- الحفاظ على وجود المذهب ومجتمعه من الاستهداف الطائفي والاجتثاث والإبادة.

    وبعد أن بيَّن المؤلف مفهوم النظام الاجتماعي الديني الشيعي، انتقل الى نقطة مهمة جداً في الدراسة، هو بيان هيكلية هذا النظام، وقال: بعد مرور مئات السنيين من الكفاح من أجل البقاء ومن أجل النماء والتقدم؛ باتت هيكلية النظام الاجتماعي الديني الشيعي، الذي استقر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تضم المكونات والاجزاء العشرة التالية:

1- المرجعية الدينية العليا أو ولاية الفقيه.

2- الحوزة العلمية.

3- وكلاء المرجعية ومعتمدوها وامتداداتها الجغرافية.

4- مراقد أهل البيت والمزارات الشيعية.

5- المساجد والحسينيات والمواكب والمؤسسات الثقافية والتعليمية.

6- الحكومات والجماعات السياسية.

7- المؤسسات والجماعات الأمنية والعسكرية.

8- المؤسسات والوقفيات الاقتصادية والمالية.

9- مقلدوا المرجعية الدينية.

10- عموم الشيعة.

    ونرى أن الدكتور علي المؤمن قد أجاد هنا في بيان هيكلية النظام الاجتماعي الديني الشيعي ورسم معالمه، إذ تبيّن من مجموع هذه الأجزاء العشرة المترابطة المتكاملة، أن هذا النظام هو أشمل من مفهوم المرجعية، وأوسع من مفهوم مجتمع المذهب، أي أنه ليس نظاماً دينياً محضاً، ولا نظاماً اجتماعياً محضاً، ولا نظاماً ثقافياً، ولا نظاماً سياسياً، بل يجمع بين ظواهر النظم الأربعة، ويصهرها، ليحوّلها الى نظام واحد متفرد تاريخياً وجغرافياً. وقد ختم المؤلف الفصل الأول بمخطط لهيكلة النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر غيبة الإمام المعصوم. ونرى ضرورة الوقوف على المخطط، والتأمل فيه، قبل الخوض في قراءة الفصل؛ لأنه يعطي فكرة عامة وواضحة عن محتويات الفصل الأول.

 المسار التاريخي للنظام الاجتماعي الديني الشيعي

    استعرض المؤلف في الفصل الثاني نشوء النظام الاجتماعي الديني الشيعي بصورة مختصرة، وبيّن أنه نشأ في العام الحادي عشر الهجري، أي بعد وفاة الرسول الأعظم (ص)، وحاول المؤلف حصر هذه الحقبة التاريخية الطويلة في ستة عصور مهمة، هي كالتالي:

1- العصر الأول: عصر الإمام علي بن أبي طالب في المدينة والكوفة

2- العصر الثاني: عصر الإمام جعفر الصادق في المدينة والكوفة

3- العصر الثالث: عصر الشيخ عثمان بن سعيد العمري في بغداد

4- العصر الرابع: عصر الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في النجف

5- العصر الخامس: عصر السيد اسماعيل الصفوي الموسوي في تبريز واصفهان

6- العصر السادس: عصر السيد روح لله الموسوي الخميني في قم وطهران

    ونرى إن المؤلف اعتمد هذا التقييم في العصور باعتبارها عصور شاملة لصمود النظام الاجتماعي الديني الشيعي واستحكام دعائمه وقوته الميدانية، لا باعتبارها عصوراً علمية أو فقهية أو سياسية، وذكر إن لهذه العصور مدخلية مهمة في دراسة النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

البنية العقدية والفقهية للاجتماع الديني الشيعي

    ناقش الدكتور علي المؤمن في الفصل الثالث البنية العقدية والفقهية للاجتماع الديني الشيعي، وبيَّن في أنه مر بثلاث مراحل رئيسية:

    الأولى: مرحلة النيابة الخاصة: السفراء الأربعة

    الثانية: مرحلة النيابة العامة: المحدثون والفقهاء

    الثالثة: مرحلة النيابة العامة في ظل حكم الفقيه.

    وكان من لوازم تمسك المجتمع الشيعي بزعامة نائب الإمام وجود قواعد تشريعية تشد القاعدة بالقمة، وكان في مقدمة هذه القواعد رجوع عامة الشيعة الى المحدث أو الفقيه في مسائلهم الشرعية، بوصفه المتخصص في الشأن الديني والمتولي للفتوى الشرعية. وهنا برز اصطلاح (التقليد)، وهكذا برز وجود مرجعية الفقهاء مجسداً للزعامة الشيعية ثم لحركة الاجتهاد والتقليد، وبات موقع الفقيه المرجع يمثل الولاية العلمية والزعامة الدينية الاجتماعية في عصر غيبة الإمام المهدي والامتداد الشرعي لخطي النبوة والإمامة، وله الحجية في الفتوى والقضاء والحسبة وتداول المال الشرعي والحكم، وبيَّن المؤلف أن هذه الأمور والمفاهيم ليست معقّدة ولا غيبية، بل لها تاريخ مدوّن واضح، سواء في الكتب الحديثة والرجالية أو في المدونات التاريخية.

    وقد بيَّن المؤلف نقطة مهمة جداً تتعلق بالتقليد، بقوله: ((لقد ظلت بعض الاتجاهات العلمية الشيعية ترفض قاعدة التقليد، لانها ترفض أساساً مبدأ الاجتهاد في الشريعة، ومنها المدرسة الإخبارية، مقابل المدرسة الأصولية، ولكن المفارقة أن الآراء التخصصية التي ترفض الاجتهاد والتقليد هي نفسها تطبِّق منظومة الاجتهاد والتقليد عملياً وحرفياً، وإن رفضتها نظرياً، بل حوّلت منظومتها المرجعية الى نظام مؤسسي أبوي رعوي، محكم وقوي فتوائياً وإدارياً ومالياً، بما يفوق منظومة المدرسة الأصولية الاجتهادية، التي باتت تمثل الخط العام للمرجعية الدينية منذ عهد المرجع الاعلى الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهائي (1206 ه – 1791 م). ومن ثم استعرض أهم مباني ولاية الفقيه وتطور موضوعاتها وتطبيقاتها، بمنهجية وصيغة تحليلية، وبيّن أن مبدأ ولاية الفقيه ليست أطروحة أو نظرية أو فكرة جاء بها شخص محدد أو عالم معين أو فقيه بعينه، بل هي القاعدة الحصرية التي يقف عليها كيان المرجعية الدينية الشيعية والحوزة العلمية والنظام الديني الشيعي برمته، منذ نشوئه في عصر غيبة الإمام المهدي قبل 1200 عام تقريباً وحتى الآن، وبدون ولاية الفقيه لا يبقى أي أصل شرعي لمرجع وفتوى وفقيه وحوزة وتقليد واجتهاد، وقد تأسست المرجعية الدينية على مبدأ ولاية الفقيه حصراً، وبذلك فإن مبدأ ولاية الفقيه هو محل إجماع فقهاء الشيعة، الماضين منهم والأحياء دون استثناء.

    وقد أجاد الدكتور المؤمن في دراسته، حينما بيَّن أن الدلالات الجوهرية للأحاديث التي تدل على صلاحية الولاية الدينية والقيادة الاجتماعية الشاملة للفقيه؛ تحدد خمسة وظائف أو صلاحيات حصرية للفقيه، وكل واحدة منها تمثّل ولاية فرعية من ولاية الفقيه، وهي:

1- وظيفة فقهية تتمثل في الإفتاء.

2- وظيفة تحكيمية تتمثل في القضاء.

3- وظيفة مالية تتعلق بشوؤن الحقوق الشرعية.

4- وظيفة حسبية تتعلق بإدارة المجتمع الشيعي.

5- وظيفة سياسية تتعلق بإقامة الدولة الإسلامية وقيادتها.

    ويجمع الفقهاء على الوظائف الأربعة الأولى، ولكنهم يختلفون على الوظيفة الخامسة في دلالة أو عدم دلالة الأحاديث عليها، أي أن الخلاف بين الفقهاء ينحصر في مساحات ولاية الفقيه توسعةً وتضييقاً، أما الولاية نفسها؛ فيعدّون مبدأها جزءاً من عقائد الإمامية البديهية المجمع عليها، والتي لا تحتاج الى عناء في الاستدلال عليها كما يقولون. وبعد أن يعرض المؤلف لدلالات أحاديث نيابة الفقيه في هذا الفصل، يخرج بنتيجة مفادها: ((إن هذه المخرجات كانت كافية لفقهاء الشيعة ومحدثيهم وزعمائهم ليؤسسوا للنظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي يترأسه الفقيه، ويحافظوا على وحدة النسيج الاجتماعي والسياسي لأتباع أهل البيت، ووحدة كيان مدرسة الإمامة ووحدة قيادتها، وما يترتّب على ذلك من ترابط وثيق بين القاعدة والقيادة المتجسدة في ولاية الفقيه أو المرجعية الدينية. وقد كان هذا النظام نوعاً من الحكومة أو الدولة ناقصة السيادة، وبه كان يتلخّص الفقه السياسي لمدرسة الإمامة حينها. واستمر هذا الحال قروناً طويلة، كان فيها الفقهاء يقفون على رأس النظام الاجتماعي الديني الشيعي، بما يشكل مزيجاً من القيادة الدينية والإدارة الاجتماعية)). ولكن؛ أعتقد أن المؤلف قد أسهب في هذا الفصل في الاستدلال العلمي على مبدأ نيابة الفقيه أو ولاية الفقيه، وكان الأجدى به أن يختصر الموضوع.

المرجعية الدينية: قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي

     ركّز الدكتور علي المؤمن في الفصل الرابع على بيان قضية مهمة، وهي أن المرجعية الدينية الشيعية ظلت ما يقرب من 1200 عاماً، أي منذ غيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر، تقف على رأس النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وهي التي أنشأت هيكلية هذا النظام، وبلورته بالتدريج، ومن خلاله حفظت الشيعة من الضربات المتوالية والانهيار. وتشكِّل الحوزة العلمية الشيعية – منذ تأسست – مركز هذا النظام؛ فهي ليست جامعة لتدريس العلوم الإسلامية وتخريج علماء الدين وحسب، بل هي مركز النظام الاجتماعي الديني الشيعي، ولذلك؛ يقف المرجع الأعلى على رأس الحوزة العلمية والنظام الاجتاعي الديني الشيعي، ويقودهما على كل الصُعد.

    وحدد المؤلف في هذا الفصل أهم قواعد الواقع ومتطلباته؛ إذ يقول بأن النظرة الى المرجعية الدينية تتجاوز القناعات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وتتمثل هذه القواعد فيما يلي:

    1- إن المرجعية الدينية العليا ليست مرجعية علمية فقهية وحسب، بل هي منظومة دينية اجتماعية تقف على رأس النظام الاجتماعي الديني للطائفة الشيعية الإمامية في العالم، ولهذه المنظومة معادلات ثابتة وسياقات عمل ونظم فرعية وتقاليد، أهمها: الموضوع العلمي الديني المرتبط بالفتوى، والموضوع الاجتماعي الديني المرتبط بادارة الشأن العام الشيعي وحفظ النظام العام، ويترشح عن هذه القاعدة ثلاث قواعد فرعية:

أ‌- إن المرجعية وحوزتها العلمية هما الوجود الأصيل والثابت والجوهري الوحيد في النظام الاجتماعي الديني الشيعي، منذ بداية عصر الغيبة وحتى الآن.

ب‌- إن الوجودات والكيانات الشيعية الأخر، سواء كانت سياسية أو علمية أو اجتماعية أو علاقاتية، مهما بلغ شأنها، هي وجودات عارضة متغيرة، ولا يمكن أن تتساوى مع المرجعية الدينية في مساحة القيادة والصلاحيات الدينية والاجتماعية والمعنوية.

ت‌- إن الإطار الذي ينبغي أن يضم جميع الكيانات الشيعية الفرعية العرضية هو إطار النظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي تقوده المرجعية العليا، وفي داخل هذا الإطار تكون علاقة الكيانات الشيعية بالمرجعية الدينية هي علاقة المتغير بالثابت والفرع بالأصل والتابع بالمتبوع.

    2- إن منظومة المرجعية الدينية بطبيعتها، هي منظومة تقليدية في بناها وأساليب عملها وحركتها، أما المحاولات الإصلاحية في الحوزة فلم تلامس ثوابت هذه المنظومة يوماً، ولن تستطيع ملامستها، بل تلامس التفاصيل والمتغيرات.

    3- إن المرجعية تمثل دائماً الأبوة لكل الوجودات الثقافية والسياسية والاجتماعية الشيعية، وإن كان بعضها ناقداً للمرجعية أو متمرداً على جزء من ثوابتها ومتغيراتها أو كانت المرجعية لا تتوافق منهجياً مع هذه الوجودات المتغيرة العارضة، وبالتالي؛ فإن المرجعية العليا هي (أم الولد) التي تستوعب أبناءها وتحتضنهم وتخشى عليهم الضرر، وتعمل على الحؤول دون إنكفائهم خارج النظام الاجتماعي الديني، حتى وأن أخطؤوا بحقها أو بحق الواقع الشيعي.

    وتحت عنوان تطور المفاهيم التدبيرية العقلائية؛ بيَّن المؤلف أن أغلب المصطلحات والمفاهيم المتداولة في وصف ظواهر الاجتماع الديني الشيعي تستند الى قواعد عقلية، وليس لأغلبها أصول تشريعية نقلية، وهي مصطلحات عرفية تدبيرية تنظيمية عقلائية. واعتبر المؤلف مبدأ ولاية الفقيه من المفاهيم القليلة التي تمتلك أصلاً تشريعياً؛ بوصفه الأساس لكل تفاصيل النظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ ما يعني أن ولاية الفقيه هي الأصل التشريعي لكل المصطلحات والمفاهيم التنظيمية العقلية المذكورة، وفي مقدمتها الاجتهاد والتقليد والمرجعية الدينية والأعلمية.

المرجع المتصدي وتعدد مرجعيات التقليد

    حاول الدكتور علي المؤمن في مقاربة هذا الموضوع؛ إيجاد حل بإزاء إشكالية لا تزال مدار بحث ونقاش، وهي تعدد المرجعيات، للحيلولة دون التعارض بين المراجع في قضايا الشأن العام والنظام المجتمعي، وهو أمر أساس ومصيري للنظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ فقال المؤلف: ((حيال إشكالية تعدد مراجع التقليد؛ يرى المعنيون بالنظام الاجتماعي الديني الشيعي ضرورة حصول إجماع نسبي لدى أهل الخبرة في الحوزتين الشيعيتين المركزيين (النجف وقم)، لطرح أحد المراجع وفق شرائط معينة، ليكون هو المرجع المتصدي او المرجع الأعلى؛ للحيلولة دون التعارض بين المراجع في قضايا الشأن العام والنظام المجتمعي، وهو أمر أساس ومصيري للنظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ لأنّ ممارسة جميع الفقهاء لولاية الحسبة في الشأن العام في وقت واحد ومكان واحد يؤدي إلى الفوضى وانهيار النظام العام )). ويرى المؤلف أن بالإمكان ((إضافة شرطي الكفاءة والمقبولية العامة إلى شرطي الاجتهاد والعدالة؛ ليكونا شرطين مرجِّحين في هذا المجال. أمّا إذا تحقق شرط الأعلمية النسبية؛ فستكون الشروط متكاملة في المرجع المتصدّي أو الأعلى الذي تكون له ولاية على النظام العام)).

وهو ما يدعم ــ كما يقول ــ العرف الموروث بحصر المرجعية العليا والمرجعيات عامة، سواء في النجف أو قم؛ فإنّ دليل حصر المرجعية العليا المتصدّية للشأن العام وولاية الفقيه، هو الدليل العقلي التدبيري المقبول شرعاً؛ بل الواجب بالعنوان الثانوي، والذي يفرض وجـود مرجعية عليا تتولى حصراً شؤون حفظ النظام؛ لدرء المفاسد عن النظام الاجتماعي الشيعي، والحيلولة دون تمزق قراره وتشظيه، ودون تمرد الجماعات الدينية الخاصة على زعامة النظام المتمثلة بالمرجع الأعلى المتصدّي.

    وقد أكد المؤلف بأن هناك دائماً خط عام للمرجعية الدينية وخطوط خاصة داخل الحوزة، وأن الخلاف داخل الحوزات العلمية لم يكن يوماً جغرافياً أو قومياً أو مناطقياً؛ إلّا في مخططات الخصوم والأنظمة ووسائل الإعلام الطائفية، أو لدى المنفعلين وأصحاب المصالح، وان كل الحوزات المنتشرة في بقاع العالم لا تزال تستخدم المناهج الدراسية والسياقات العامة والافكار نفسها الى حد التطابق غالبا، وتعتمد سبل التعاون والتبادل والتكامل نفسها منذ 1200 عام وحتى الآن، حتى يمكن القول انها حوزة علمية واحدة فيها فروع مناطقية منتشرة في بلدان الكثافة السكانية الشيعية. واذا كان هناك خلاف داخل الحوزات العلمية فهو يتصل بالخلاف حول تطبيقات الالتزام بمنهجية عمل الحوزة وسيقاتها المتعارفة، وأهمها طريقة طرح بعض علماء الدين أنفسهم كمجتهدين ومراجع خارج السياقات والمعايير المتعارفة، وطرح الأفكار المتعارضة مع مشهور المذهب، أو ممارسة سلوكيات ترتبط بالشأن العام تتعارض مع الخط العام الذي تمثله المرجعية العليا المتصدية، الأمر الذي يساهم في تمزيق الواقع الشيعي. وقد يتفاقم هذا التعارض في الأفكار والسياقات والسلوكيات لدى بعض علماء الدين الى المستوى الذي يحوِّلهم الى خط عرضي خاص مقابل الخط العام في النجف أو قم، وقد ضرب المؤلف لذلك أمثلة معاصرة توضح هذا المعنى.

     وقد حدد المؤلف معايير خمسة إذا التزم بها عالم الدين الشيعي؛ يُعتبر أنه يسير وفق الخط العام، أما إذا لم يلتزم بها؛ فأنه يمثل خطاً خاصاً عرضياً، ومن خلال تطبيق هذه المعايير؛ يمكن معرفة مصاديق الخطوط العامة والعرضية الخاصة، وهي كما يلي:

1- التدرج الطبيعي لعالم الدين في الدراسة الحوزوية.

2- حصول عالم الدين على درجة الاجتهاد من أستاذه المعترف باجتهاده حوزوياً، أو شهادة أهل الخبرة ( المجتهدون العدول ) باجتهاده.

3- عدم خروج عالم الدين على الاجماع العقدي والفقهي في القضايا الأساسية.

4- عدم خروج عالم الدين على المرجعية العليا في القضايا الأساسية ذات العلاقة بالشأن العام، حتى بعد أن يحصل على الاجتهاد ويطرح نفسه مرجعاً للتقليد وتتوسع مساحات نفوذه الديني.

5- التزام عالم الدين بالسياقات المتعارفة في مرحلة نشر رسالته الفقهية العملية وإعلان مرجعيته ونشر وكلائه.

    ثم بيَّن المؤلف أن واقع الاجتماع الديني النجفي؛ أصبح ينقسم في عقد الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي الى ثلاث منهجيات رئيسة:

1- المنهجية الوسطية الاصلاحية، المتمثلة في مرجعية السيد محسن الحكيم، وقاعدتها: ولاية فقهية واسعة في الأمور الحسبية ورعاية النظام العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأمة وإصلاح محدود في الدولة.

2- المنهجية التقليدية المحافظة، المتمثلة في مرجعية السيد ابو القاسم الخوئي، وقاعدتها: ولاية فقهيه محدودة في الـمور الحسبية، وسمتها التطبيقية: إصلاح تقليدي في الأمة وانكفاء في موضوع الدولة.

3- المنهجية التغييرية الثورية، المتمثلة في الفقيه الشاب محمد باقر الصدر، وقاعدتها: ولاية فقيه عامة ورعاية مطلقة للشأن العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأمة وتحول جذري في الدولة، وانخراط في العمل التغييري الثوري. وهذه المنهجية، أسسها في قم الإمام الخميني.

    ثم تطرق المؤلف لدور جماعات الضغط والمصالح في خلق مرجعية رمزية دينية شيعية تنسجم مع إرادتها، وتحقق مصالحها، وأيضا تطرق الى بيان مفهوم الحواشي في مؤسسة المرجعية؛ ليصل الى نتيجة مهمة يلخصها بقوله: (( ينبغي عدم الخلط بين الحواشي وجماعات الضغط التابعة للمرجعيات من جهة، وجماعات الضغط والمصالح المرتبطة بأجندات معادية للحوزة وللواقع الشيعي من جهة أخرى. ولعل الخطاب الأخطر، في الوقت الحاضر، الذي تروج له جماعات المصالح والضغط المرتبطة بمخططات خارجية معادية، هو عمل فجوة بين المرجعية العامة والحوزة في النجف من جهة، والجمهورية الإسلامية في ايران وحوزة قم والحركات الاسلامية الشيعية في العراق ولبنان والبحرين وغيرها من جهة أخرى، من خلال اختلاق الخلافات وتضخيم الوقائع وانتقاء التفاصيل، من أجل تحقيق أهداف مشتركة مع البلدان المتخاصمة مع الشيعةـ وتحديداً أمريكا وبريطانيا وإسرائيل والسعودية، وفي مقدمة هذه الأهداف: الاستفراد بالمرجعية النجفية والواقع الشيعي العراقي، وتمزيق النظام الاجتماعي الديني الشيعي ومكوناته من داخله)).

    ثم بيّن المؤلف حقيقة مهمة جداً، تحت عنوان قدسية الدين ومهنية الفقيه، بيّن فيها أن الطاعة والقدسية في النظام الاجتماعي الديني الشيعي هما عمليتان معقدتان وصعبتا المنال، ولا يستطيع أي عالم دين أن يتمتع بهما، سوى فقيه واحد أو اثنين في زمان واحد، هما المرجع الأعلى المتصدي للشأن العام والولي الفقيه الحاكم.

الحوزة العلمية: المؤسسة الدينية للنظام

    تناول الدكتور علي المؤمن في الفصل الخامس؛ المؤسسة الدينية المتمثلة في الحوزة العلمية، سواء في النجف الأشرف أو في قم؛ بإعتبارهما يمثلان الثقل الأكبر في الواقع الشيعي. وتكمن أهمية هذه الدراسة للحوزة العلمية؛ في أن المرجعية الدينية تمثل حالة القيادة والرعاية لهذا النظام الاجتماعي الديني الشيعي، لذلك؛ كان هذا الفصل هو عملية شرح وبيان نشأة الحوزات العلمية الشيعية، فبدأ المؤلف بالحوزة العلمية في النجف الأشرف، ثم انتقل الى الحوزة العلمية في قم؛ لما لهما من التأثير الكبير على قوة أو ضعف النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وختم الفصل بمقارنة بين الحوزتين، بيَّن فيها أوجه التشابه بينهما وأوجه الاختلاف، ونذكرهما هنا باختصار:

    1- أوجه التشابه: إنهما تتشابهان الى حد التطابق في المضامين والمحتوى، ولا سيما في مراحل الدراسة الثلاثة: المقدمات والسطوح والبحث الخارج، وكذا المناهج الدراسية في المراحل الثلاث، ومصادر البحث والرواية والاستدلال، وشروط الاجتهاد وأساليب الوصول اليه، وشروط المرجعية، ولا سيما الأعلمية والعدالة، وأساليب إدارة المدارس الدينية التقليدية وغيرها.

    2- أوجه الاختلاف: ذكر المؤلف أن هناك أربعة اختلافات:

أ‌- تختلف حوزة النجف عن غيرها من الحوزات العلمية الكبرى في الكوفة وقم وبغداد وجبل عامل والحلة وكربلاء؛ في أنها لم تأفل ولم تضمحل خلال 1000 عام، بعكس باقي الحوزات، فيمكن القول ـن جميع الحوزات كانت موسمية غالباً، عدا حوزة النجف.

ب‌- إن النجف خلال 1000 عام متواصلة، لم تخل يوماً من مراجع الصفين الأول والثاني، وذلك عندما كان مركز المرجعية العليا ينتقل الى حوزات أخرى في فترات زمنية محدودة، لذلك؛ فإنّ 80% من المرجعيات العليا في التأريخ الشيعي كان مركزها النجف الأشرف.

ت‌- إن أغلب الإنتاج العلمي الديني الشيعي: التفسيري والحديثي والكلامي والفقهي والأصولي والرجالي؛ كتبه علماء النجف، دون بخس حوزات بغداد وقم وكربلاء والحلة وجبل عامل نتاجاتهم.

ث‌- في مجال تعاطي الحوزتين النجفية والقمية مع الشأن السياسي؛ فإن حوزة النجف ضلت مئات السنين تعاني من سياسات العزل والتهديد والاضطهاد التي تمارسها الحكومات الطائفية في بغداد، أما الحوزة العلمية في قم والحوزات العلمية في ايران؛ فقد ضلت منذ قيام الدولة الشيعية البويهية في العام 322 ه ( 933م ) تعيش أوضاعاً طبيعية غالباً بعيداً عن القمع والتهميش.

إعادة مأسسة منظومة المرجعية الشيعية

    في الفصل السادس سلط الدكتور المؤمن الضوء على الدعوات الداخلية الإصلاحية لمنظومة المرجعية الدينية، التي تستند الى الأسس والثوابث والمبادئ، وتستهدف المتغيرات والهياكل، ورأى بأن مبادئ الإسلام ومذهب آل البيت، تضع في عنق المسلم واجب الدعوة الى إصلاح المتغيرات وتجديد القراءات، بالحكمة والموعظة الحسنة، وبما يعزز قوة النظام الاجتماعي الديني الشيعي وقيادته ومؤسسته الدينية وفاعليتها.

    وطرح المؤلف في هذا الفصل قضية مهمة جداً، ألا وهي افتقاد النظام الاجتماعي الديني الشيعي الى مجلس شورى مركزي لإهل الخبرة، والذي هو بمثابة مؤسسة للحكماء والخبراء والاختصاصيين، يقوم برسم الستراتيجيات الموحدة، ويضبط حركة النظام، ويقدم المشورة لكل مكونات النظام وتفرعاته الدينية والاجتماعية والسياسية والمالية، عبر قواعد نظرية وأدوات إشراف عملية. هذا النقص المؤسسي ظل في بعض ساحات العمل أحد أهم أسباب عدم وضوح المشروع الشيعي العام، وانعدام الستراتيجية الموحدة والقرار القيادي الواحد، بل ويؤدي أحياناً الى انهيار الواقع الشيعي، ومصادرة كفاحه وانجازاته من قبل الآخر الطائفي والآخر الآيديولوجي.

    ولتفادي هذا الأمر؛ طرح السيد المؤمن بعض الآليات التي يمكن استحداثها، والمتمثلة بمؤسسة مرجعية استشارية عليا، تحت اسم “مجلس الحكاء” أو “مجلس أهل الخبرة” أو “مجلس أهل الحل والعقد” أو “مجلس كبار العلماء”، والذي يتألف من المجتهدين العدول المقبولين شعبياً، والمتفق على اجتهادهم وعدالتهم، وفق معايير مؤسسية يتم تثبيتها من لجان تخصصية، ويقرّها المرجع الأعلى والمراجع الآخرون؛ لتكون حجة على الجميع. وتناط بهذا المجلس خمس مهام؛ هي بأختصار:

1- اختيار المراجع الحائزين على شروط التقليد، وطرحهم للأمة؛ لكي يكون تقليدهم مبرئا للذمة.

2- اختيار المرجع الأعلى الجديد من بين المراجع الحائزين على شروط التقليد بعد رحيل المرجع الأعلى السابق.

3- مراقبة استمرار إحراز المراجع لشروط المرجعية.

4- تقديم المشورة للمرجع الأعلى في مختلف شؤون المرجعية.

5- التخطيط ورسم الستراتيجيات للنظام الاجتماعي الديني الشيعي ومختلف فروعه ومكوناته، بالتعاون مع لجان من الاختصاصيين والخبراء والأكاديميين من غير علماء الدين.

شرطا الأعلمية والكفاءة في المرجع الأعلى

    وضمن المباحث المهمة في الفصل السادس؛ ناقش المؤلف قضية شرط الأعلمية في المرجع الأعلى، ومعايير الأعلمية ومواصفاتها، وكيفية إحرازها من قبل المرجع؛ ليصل المؤلف من خلال البحث الى قضية مهمة جداً ألا وهي: إن مفهوم الأعلمية المتجدد الذي يتطلبه الواقع، وينسجم مع وظائف المرجع، ينطوي على أربعة مفاهيم متفرعة، هي: “الأعلمية التقليدية” و”الأعلمية المتجددة” و”الأصلحية الموضوعية” و”الأقدرية القيادية”.

وذكر المؤلف أن مفهوم الأعلمية المتجددة، يجمع في داخله المفاهيم الثلاثة الأخرى: “الأعلمية التقليدية” و”الأصلحية الموضوعية” و”الأقدرية القيادية”، ويترشح عنه خمسة معايير متداخلة، تكمل بعضها:

1- أعلمية في مسائل الحلال والحرام.

2- أعلمية في الموضوعات، ولا سيما الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

3- أعلمية في فهم مقاصد الاسلام ونظامه العام.

4- أصلحية في وعي مصالح الأمة ومتطلبات نهوضها.

5- الأقدرية على قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

    ثم يضيف المؤلف شرطاً مهما آخر للمرجع الأعلى، ألا وهو شرط الكفاءة، وهو يدخل في إطار المعايير الثاني الى الخامس المذكورة، ويعتقد المؤلف أن هذا الشرط الترجيحي ربما هو الأهم إطلاقاً في ترجيح فقيه على آخر، بالنظر لحاجة منصب القيادة المرجعية اليه، بل مرجحاً على الأعلمية النسبية؛ فلو كان هناك فقيهان، أحدهما مشتهر بأعلميته، والآخر مشتهر بكفاءته؛ فمن الأولى هنا ترجيح الأكفأ للتصدي للمرجعية العليا، مع لحاظ شرط المقبولة العامة.

    وعرّف الدكتور علي المؤمن “الكفاءة”؛ بأنها تعني الصفات والمهارات والسمات الشخصية الذاتية، ويمكن إجمالها فيما يأتي اختصاراً:

1- الحكمة ورجاحة العقل والاتزان المقترنة بالشجاعة.

2- الوعي الدقيق بالمحيط الاجتماعي والوطني والدولي، الى مستوى القدرة العميقة على تشخيص المصالح والمفاسد على المستويين المحلي والعام.

3- القدرة على الإدارة والقيادة والتدبير، بدءاً بإدارة الحاشية والمكتب الخاص ومؤسسة المرجعية والحوزة العلمية، وانتهاء بإدارة المجتمع والشأن العام.

4- الثقافة العامة، ولا سيما في العلوم والمعارف المرتبطة بفتاوى الشأن العام وإدارته، كعلوم الاجتماع والنفس والانثرولوجيا والسياسة والقانون والاقتصاد.

5- التمتع بنزعة استشارة أهل الاختصاص الحقيقيين، في موضوعات الفتاوى والأحكام والشأن العام، سواء من علماء الحوزة أو غيرهم.

    ثم ختم المؤلف الفصل السادس ببيان شرط المقبولية العامة في المرجع الأعلى، ومعنى هذا الشرط هو تحويل ولاية المرجع المتصدي، في الحسبة العامة أو الحكم، من ولاية بالقوة الى ولاية بالفعل، أي من ولاية كامنة الى ولاية ظاهرة فاعلة، وذلك من خلال قبول الجمهور الشيعي لهذا المرجع أو ذاك بأن يكون هو الراعي والمرشد والزعيم في قضاياه العامة؛ إذ أن دور الجمهور هنا يقتصر هنا على تفعيل ولاية المرجع وزعامته ليكون هو المرجع الأعلى المتصدي.

عناصر قوة الاجتماع الديني الشيعي

    بيَّن السيد علي المؤمن في الفصل السابع عناصر قوة الاجتماع الديني الشيعي، وقال: إن هذا النظام يحظى بعناصر قوة وثبات واستمرار، لا يحظى بها أي نظام اجتماعي ديني آخر في العالم، إسلامي وغير إسلامي، وهذه العناصر الواقعية تشكِّل ضمان بقاء المذهب الشيعي، وتماسك النظام الاجتماعي العالمي الذى أفرزه المذهب. وأوضح المؤلف بأن منهجه في المقاربة هنا يتناول العناصر الواقعية، وليست العقدية والنظرية، وأن عناصر القوة الواقعية الأساسية التي تشكل الحماية لمدرسة آل البيت وأبنائها وللنظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ هي اثنى عشر عنصراً أساسياً:

1- القضية المهدوية.

2- المرجعية الدينية.

3- ولاية الفقيه.

4- التماسك المجتمعي الديني.

5- عالمية النظام الشيعي.

6- الاستقلال المالي الديني.

7- المراقد والمزارات.

8- شعائر الإمام الحسين.

9- دولة ايران.

10- المشاركة في الحكومات.

11- الجماعات السياسية.

12- جماعات المقاومة.

    وقد تناول المؤلف شرح كل واحد من هذه العناصر، وبيانها وتوضيحها، بصورة مختصرة غير مخلة بالمعنى المراد. ثم ختم الفصل بعنوان مهم، ألا وهو رهانات ضرب عناصر قوة الشيعة، وبيّن فيه أن المؤسسين الثمانية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الغيبة، وغيرهم من الفقهاء والزعماء الدينيين والسياسيين والعسكريين الشيعة عبر مئات السنين؛ تنبّهوا الى أهمية عناصر القوة الشيعية الواقعية المذكورة، وانشغلوا بتفاصيلها وتطويرها وتنميتها؛ لتكون معادلاً موضوعياً لمشكلة فقدان الشيعة للسلطة السياسية، الى جانب تقوية البعد النظر العملي والفقهي والفكري لمدرسة آل البيت.

    وقال المؤلف: تزداد أهمية تقويم عناصر القوة الإثنى عشر المذكورة، وإصلاحها، وممارسة واجب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معها، الى جانب واجب دعمها وإسنادها وعدم تضعيفها؛ كلما ازداد تأثيرها وحضورها في الواقع الشيعي، وكلما ازداد الخلل في أدائها، دون أن تتحول تمظهرات الواجبين الى ولاء عاطفي أعمى غير واع أو خصومة تهريجية مخربه.

اشكاليات الهوية الشيعية

    ذكر الدكتور علي المؤمن في بداية الفصل الثامن المهم جداً، مجموعة من الأسئلة، كان الهدف منها ــ كما يذكر ـــ الاسهام في إيجاد حلول علمية لإشكالية الهوية الشيعية من جهه، والمشكلتان الطائفية والعنصرية المستعصيتان لدى أغلب نظم الاجتماع الديني والسياسي في المنطقة العربية والإسلامية من جهة اخرى، وهما المشكلتان اللتان تهددان الأمن المجتمعي، وتفرضان على الشيعه حجراً مركباً في حريه الاعتقاد وممارسة الشعائر والطقوس، وأعتقد أنها أسئلة مهمة، وضرورة الإجابه عنها بكل علمية وموضوعية وواقعية، لأنها تصب في بلورة الهوية الشيعية.

    وأكد المؤلف على حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، ألا وهي عالمية النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وأن هذا النظام ليس وليد اليوم، بل أنه متجذر في الواقع الشيعي، وهو سر حفاظ المذهب الشيعي والمجتمع الشيعي على بقائهما واستمرارهما في ظل مساعي الاقصاء والاجتثاث، وأن المرجعية الدينية الشيعية معنية بكل شيعه العالم، ولا تخص بلدن دون آخر. وسلط المؤلف الضوء على قضية مهمة أخرى، ألا وهي الخطاب العنصري والمناطقي المتعلق باختيار المرجع، وبيّن أنه لا يشكِّل ظاهرة عامة، وليس له عمق نوعي أو عددي، بل هو عبارة عن موجة انحرافية، كانت جزءاً من أجنده نظام البعث، خصوصاً بعد العام 1991.

    وأوضح المؤلف معايير عالمية النظام الاجتماعي الديني الشيعي ووحدته الاجتماعية وتماسك مكوناته البشرية، والمتمثلة في وحدة الشيعية سوسيولوجيّاً دينيّاً، وليست سوسيولوجيّاً محظاً وليست وحدة انثروبولوجية؛ إذ أن لكل مجتمع شيعي، هويته الانثروبولوجية والاجتماعية المستقلة، التي تتشكل من خلال تميزه، في لغته وقوميته وثقافته المحلية وجغرافياه الوطنية وخصوصياته العقليه والنفسية والاجتماعية والانسانية، عن غيره من المجتمعات الشيعية. وهي خصوصيات لا تعيق تماسك مكونات النظام الاجتماعي الديني الشيعي، بل تضفي عليه هذه الهويات المتعددة؛ قوة التنوع الثقافي والعقلي، خاصة وأن طبيعة النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وتراكم خبراته؛ تجعله يمتلك القدره الذاتية على تقارب هذه الهويات وشدها، وتكاملها في إطار هوية اجتماعية دينية واحدة، وبالتالي؛ فإن تنوع الهويات الانثروبولوجية والاجتماعية للشيعة، هو عنصر شد وليس فُرقة.

    ولا يتوقف تعدد الهويات الاجتماعية والانسانية للشيعة على تعدد بلدان الحضور الشيعي، وبالتالي؛ فإن الجامع المشترك لكل هذه العرقيات والثقافات الوطنية والمحلية، هو الاجتماع الديني الشيعي، وهو جامع مشترك قوي وعميق، ويتفوق غالباً على العنصر القومى واللغوي والمناطقي. ثم قام المؤلف باستعراض ستة نماذج منتقاة من المجتمعات الشيعية بغية التعرف على طبيعة التنوع النفسي والاجتماعي والعقلي للمجتمعات الشيعية المتعددة قومياً ووطنياً، وهي: المجتمع الشيعي الجزيري والخليجي، المجتمع الشيعي العراقي، المجتمع الشيعي الإيراني، المجتمع الشيعي اللبناني، المجتمع الشيعي الآذربيجاني والمجتمع الشيعي الهندي.

    وتحت عنوان خيار الاندماج بمجتمع الدولة؛ أكد المؤلف في دراسته أن هناك اشتباكاً بين الهويات والانتماءات، يستدعي فضه، من خلال تعديل شامل في القرارات والسياقات ذات العلاقة بالحريات والحقوق المذهبية والسياسية في بلدان الحضور الشيعي، وإلغاء القوانين والأعراف والمفاهيم الطائفية التي تعيق ممارسة المجتمعات الشيعية حقوقها الانسانية وحريتها المذهبية، أما الابقاء عليها وإرغام الشيعة على القبول بها كأمر واقع؛ فإن ذلك يؤدي تلقائياً الى نفور الشيعة من النظام السياسي الذي يحكمهم، وإنكفائهم ضده، والى مزيد الخصام بين الاجتماع الديني الشيعي والاجتماع السياسي للدول التي تضطهد الشيعة.

المرجعية الشيعية بعد السيستاني والخامنئي

    أعتقد أن السيد المؤمن حينما استعرض في الفصل التاسع نماذج من المرجعيات الشيعية المطلقة في القرن العشرين، ثم درس واقع مرجعيتي السيدين العليين الحسينيين السيستاني والخامنئي، ومن هو المرشح بعدهما، سواء كان من حوزة النجف أو من حوزة قم؛ فإنه يكشف عن الأهمية الكبيرة لمنصب المرجعية، وكونه يحدد مصير الشيعة وتوجهاتهم على كل الصعد، وكونه يمثل موقع زعامة النظام الاجتماعي الديني الشيعي والحوزة العلمية. ثم ختم المؤلف كتابه بالنتائج والخاتمة.

     وقد أجاد المؤلف في بيان مراده، وما يصبو اليه من، هذه الدراسة الوصفية التحليلية، كما أكد على أن هذه الدراسة هي محاولة لتقديم وعي علمي بحقائق الاجتماع الديني الشيعي ودراسة النظام الاجتماعي الذي يترشح عنه، وتحليل هيكله ومكوناته وأنساقه الداخلية، وعلاقاته بالآخر، المختلف مذهبياً وفكرياً وسياسياً، وتأثير الأسس العقدية والفقهية للتشيع في صياغة هذا النظام وأعرافه وتقاليده وطقوسه.

 

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here