بقلم// محمود الربيعي

لم تكن (سبعة أيام) تلك التي مضت ،بل لم تكن سبع ساعات حتى ، ولا سبع دقائق ، بل كانت سلسة جميلة من اللحظات السريعة مرت بين جمعتين غادرنا في صباحها الأول مطار بغداد الدولي لنحط رحالنا في مطار الإمام الخميني (رض) ، في رحلة هادئة بددت القلق الذي ينتاب المسافرون ، فالشركة الايرانية (آتا) تجاوزت كل عقبات الحصار الجائر المفروض على الجمهورية منذ نجاح الثورة الاسلامية قبل اكثر من أربعة عقود، ونجحت في صناعة فريق طيران ماهر ومضياف ،وبالرغم من قدم الطائرة الواضح فقد كانت حركاتها رشيقة ودقيقة ارتقت الغيوم التي تناثرت بين اشعة شمس الصباح لتهبط برصانة وهدوء بعد ساعة ودقائق عشر ، دخلنا قاعة المطار اللامعة الجميلة التي تمثل وجه البلد المضياف ، واخذنا حقائبنا ، وكنت أول الخارجين لشمس طهران الباسمة وانا أشعل سيجارتي منتظرا وصول اعضاء الوفد الذي ضم معي 24 كاتبا ومثقفا من الخبراء الستراتيجيين والمحللين السياسيين واساتذة الجامعات .

توجهنا بالباص الكبير ونحن نجتاز طريقا زاد عن الاربعين كيلومترا من الزهور الجميلة والاشجار الباسقة والشوارع الاسفلتية المغتسلة بالندى ،مررنا خلالها بجوار مرقد قائدة الثورة الاسلامية وقلوبنا تهفو لزيارته ، معبرين عن رغبتنا بإداء الصلاة التي حان وقتها فيه ، لكن الجدول المنظم من قبل الأخوة الاعزاء الذين كانوا في استقبالنا لم يكن يتيح هذه الفرصة الطيبة ، فكل شيء كان معداً بدقة ومخططاً له بعناية ، وصلنا محل إقامتنا في الفندق الكبير الذي كان مهيئا لاستقبالنا بكرم وضيافة لانظير لها .

صعدنا كل الى غرفته ، وكنت في الطابق السابع عشر فتحت ستائر النوافذ على مشهد آخاذ للشوارع والبنايات والجبال القريبة العالية التي اكتست بلون الشمس لترسم صورة رائعة لمدينة تتنفس الجمال في كل تفاصيلها .

كانت جلستنا الأولى مع الدكتور صدر ممثل اتحاد الفضائيات الاسلامية صاحب الدعوة الكريمة الذي أبدى فرحاً غامرا بوصولنا ورحب بنا بحرارة كبيرة وشرح لنا تفاصيل الجدول المعد لرحلتنا هذه ، تناولنا بعدها طعام الغداء في بوفيه مفتوح ضمم مالذ وطاب ،واسترحنا بعدها قليلاً لنخرج في ليلتنا الاولى لزيارة واحد من اجمل واعلى الابراج في العالم (يحتل المرتبة السادسة من حيث الاارتفاع) ،وصلنا الى باحته العلوية لنطل على قطعة من النور المتناثر من مصابيح المدينة ، وبين تماثيل الشمع التي تبدأ بالشهيد القائد الحاج قاسم سليماني وصولا الى العالم الاسلامي الكبير ابن سينا مرورا بنخبة منتقاة من كبار رجال ونساء الحضارة الاسلامية الايرانية التي اثبتت قدرة الانسان على الابداع المتجسد في (برج الميلاد) الذي يعد تحفة معمارية فريدة تؤكد قدرة الاسلام المحمدي الحاكم على الاعمار والبناء .

كنت اعرف وانا اتصفح وجوه الناس في هذا المكان السياحي الجميل أن أكاذيب الاعلام المعادي الذي يكرر اسطوانات البؤس والقمع لا أثر لها ، فالايرانيون شعب يحب الحياة وويحترم القانون ويؤمن بالنظام الإسلامي ويعتز بقيادته ويفتخر بوطنه ، وهو يعيش نوعاً من الحرية المسؤولة لم تألفه شعوب البلدان التي يعادي حكامها ايران لأسباب معلومة .

كان السبت والأحد والإثنين والثلاثاء بلاساعات ولادقائق فبين الجلسات الهامة والنقاشات المستفيضة مع كبار قادة البلد المضيف وخيرة مثقفيها وخبرائها وبين ساعات النزهة والاستجمام الجميلة كانت لقاءاتنا تبحث عن طريقة مناسبة لتقليل الوقت الذي قد يضيع بساعة من النوم الزائد عن الحاجة .

لم يكن الحاج اسماعيل قآني قائدا لقيلق القدس في الحرس الثوري ،ولا الدكتور سعيد جليلي مستشارا لسماحة السيد الولي الخامنائي ،ولم يكن الدكتور حسين أمير عبداللهيان وزيرا للخارجية ولاغيرهم من المسؤولين الايرانيين الذين التقيناهم خلال هذه الايام ،بل كانوا أخوة يشعرونك بالفخر وهم يرحبون بك لأنك من العراق ويجلسون معك لساعات طوال مصغين ومجيبين عن كل سؤال يخطر في البال ، تواضع ونبل وحميمية تستشعر منها انك في بيتك وليس في بلدك وحسب ، المحللون السياسيون الايرانيون الكبار الذين شاركناهم في جلسة طويلة مع نخبة من اساتذة الجامعات في طهران كانوا يظهرون رغبة شديدة في التواصل والتعاون من أجل مصلحة البلدين وهم يتحدثون عن فلسطين تستشعر انهم منها ،وحين يأتي ذكر العراق كأنهم في الأربعين ، وهكذا سوريا ولبنان وكل شعوب البلاد العزبية ، وهم مثلنا يدركون ان استقرار العراق ونهضته هو السبيل الوحيد لاستقرار ونهضة المنطقة بأسرها .

أمضينا صباحاً مفعماً بالدهشة ونحن نتجول في صفحات التاريخ لنطالع أروع صور الابداع في الحدائق الغناء التي توسطتها القبة الكبيرة التي ضمن عجائب متحف الدفاع المقدس الذي تجول بنا من ركام الحرب العبثية التي خاضها صدام المقبور بأوامر من أسياده الصهاينة ودعم من حلفائه من حكام العرب الخونة في ثمانينيات القرن الماضي حتى بلغنا تخوم صعدة مرورا بآيات النصر في حلب ودمشق وسامراء وآمرلي وتكريت وجنوب لبنان كانت لنا في تجريش جولة بين مزارها المقدس واسواقها وشوارعها المؤنسة أوقاتا طيبة ، كما كان لنا في اكبر مكتبات العالم في (حديقة الكتاب بطهران) جولة كم تمنيت ان لانتنهي ، رغم اننا قد ختمناها بجولة على جسر الطبيعة والمناظر الآخاذة التي تخلب الألباب .كان صباح الأربعاء موعد زيارتنا لموقع الاقتدار الشيعي في ساعات لايمكن وصفها ، مكثنا بعدها في سويعة بهجة مونقة عند ضريح السيد الامام روح الله الخميني (رض) لنتزود منه بعبق الايمان والولاية والانتصار ، توجهنا بعدها لزيارة السيدة فاطمة المعصومة بنت الامام موسى بن جعفر (عليهم السلام) فوجدتها بعد فراق لسنين قد ارتدت حلة قشيبة فقد اتسعت شوارعها وازدانت ميادينها وتلألأت انوار عتباتها المقدسة بالمزيد من الضوء الذي انار دروب قم المقدسة وافشل مخططات الحصار عليها .

الخميس صباحاً كان موعد رحلتنا صوب أنيس النفوس وشمس الشموس لنمضي في رحابه المقدسة والمكتبات والاسواق القريبة من مرقده الطاهر ما تبقى من سويعات اليوم الأخير للرحلة الرائعة التي مضت سريعاً .

في كل مرة كنت اتحدث فيها مع احد الاخوة من اعضاء الوفد عن اي موضوع كان يخالجني شعور المتوجهين سوية لزيارة العتبات المقدسة ، لم نكن 25 شخصاً بأمزجة مختلفة ووجهات نظر متعددة ، بل كان كل ما حولنا يحيلنا الى قلب واحد يمتلأ بالمحبة والإعتزاز والشعور بالفخر والإمتنان لهذا العمق الراسخ للايمان والجمال والانتصار فلم يكن بوسعنا الا ان نقول : شكرا ايران ، جعلنا الله واياكم من المنتظرين والممهدين لمقدم صاحب الزمان (ارواحنا فداه).

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here