بقلم // رياض سعد

لكل عمل غاية , ولكل سلوك دوافع , وللإنفاق الانتخابي مقاصد وغايات مختلفة، وله آثار ايجابية وسلبية على مستوى الفرد والمجتمع وعلى حد سواء .
ينفق المرشحون العراقيون للانتخابات – سواء البرلمانية او مجالس المحافظات – مبالغ طائلة على حملاتهم الانتخابية، في بلد يعاني من شتى الازمات والتحديات بما فيها ظاهرة الفقر والبطالة وانعدام البنى التحتية … الخ ؛ اذ يسعى كل مرشح الى تكثيف دعايته السياسية لإقناع اكبر عدد من الناخبين ؛ ولو باستخدام الطرق الرخيصة والوسائل غير القانونية … .
مما لاشك فيه ان هذه المصاريف والاموال الطائلة والتي تصرف على الانتخابات العراقية ؛ تعد خيالية اذا ما تمت مقارنتها مع الدول الديمقراطية الناشئة – حديثة العهد بالديمقراطية – في دول العالم الثالث .
وتمول الانتخابات العراقية من طرق عدة ومنها : الاموال الحكومية وموارد الدولة العامة , والمال السياسي , والاموال المحرمة والممنوعة كأموال تجارة المخدرات والجريمة المنظمة والارتباط بالقوى والمخابرات الاجنبية , بالإضافة الى تبرعات المواطنين واموال المرشحين انفسهم … ؛ ولكل هذه الاسباب لا يعد الانفاق الانتخابي في العراق نزيها ؛ خاصة باعتباره مالاً سياسياً ومشبوها ، ويتم التلاعب القانوني به ؛ ما جعله ذا معايير أقل شفافية وأشد غموضا .
وليس حجم الإنفاق على حملات انتخابات معينة معياراً دقيقاً لنتائج من سيصل إلى مقاعد مجالس المحافظات او البرلمان ؛ لاسيما للذين يجهلون حقائق الامور ومراكز القرار المحلي والاقليمي والدولي الحاسم في نتائج هذه الانتخابات ؛ اذ طالما خسر الكثيرون من المرشحين في الدورات السابقة , رغم انهم انفقوا على حملاتهم الشيء الكثير ؛ ولا زلت اذكر احد المرشحين من اقاربي والذي رشح مع الحزب الفلاني ونصحته بعدم الترشيح معهم لانهم معروفون بالفئوية الحزبية والمكر والاحتيال وسرقة الاصوات وتجييرها لصالح عناصر الحزب لا للمرشحين المستقلين ؛ وقد انفق على حملته اكثر من 300 مليون دينار , وحصل على تأييد جماهيري واسع ؛ الا ان الاصوات سرقت وذهبت الى الكتلة التي رشح معها , وخرج من هذه المسرحية خالي الوفاض ؛ نعم قد يلعب المال دورا حاسما في تغيير نتائج الانتخابات لصالح الكتل والاحزاب الكبيرة والتي تنفق الاموال الكثيرة للتلاعب بمجريات العملية الانتخابية بدءا من التصويت وانتهاءا بالفرز واعلان النتائج …!! .
ان هؤلاء – الذين يبذرون الاموال في الحملات الانتخابية – لم يكونوا رأسماليين كما كان قبلهم من حفاة العوجة ورعيان تكريت وغلمان العثمنة ومرتزقتهم وخدام الانكليز ؛ لكنهم تعلموا جيدا , وقرروا السيطرة على كافة منابع وموارد ومصادر المال والتحكم في تدفقه , وبغض النظر عن الشرعية القانونية وغيرها او الحلال والحرام … ؛ ، فأنشأوا علاقات دولية واقليمية محرمة وممنوعة وانخرطوا في مافيات خارجية خطرة وكبرى … ؛ لتجفيف موارد العراق الاقتصادية بمساعدة قوى الاستعمار والاستكبار وغيرها … ؛ نعم بعض هذه الفصائل والحركات والاحزاب والكتل السياسية ؛ عملت خلال هذه السنوات لا على تحسين اوضاع الامة او الأغلبية العراقية ؛ بل على تحسين مداخيل و وارادت عناصرها ورجالها واعضاءها المادية والمالية , وتقوية نفوذها في دوائر و وزارات ومؤسسات الدولة والمجتمع … ؛ و انغمس الجميع في الفساد، وتكاثرت أملاكهم المحرمة , وتعاظمت وارداتهم المالية , وتوسعوا على حساب ابناء الامة والاغلبية العراقية , اذ لم يتركوا مجالا اقتصاديا لم يحشروا انفهم فيه ؛ بالتزامن مع المضايقات المستمرة ضد المواطنين من خلال سن القوانين المجحفة و وضع العراقيل الكثيرة امامهم وعدم دعم القطاع الخاص واهماله واهمال الصناعات الوطنية او حماية المنتجات العراقية وتشجيعها , بالإضافة الى الضرائب الباهظة وفرض الاتاوات على الناس بالقوة ( الخاوات ) مما اسفر عنه هروب الرساميل العراقية الى الخارج , وافقار المواطنين في الداخل من خلال افشال مشاريعهم , بينما تعمل هذه الجهات المنكوسة في الوقت نفسه ؛ على تمويل ودعم تجارة اعضائها والاعتناء بأفرادها وعناصرها وتقديم كافة التسهيلات الحكومية والاستثناءات القانونية لهم , وتنمية مواردهم الاقتصادية , ومساعدتهم الى اقصى ما يمكن ؛ لضمان ولاءهم وبقاءهم في السلطة .
لقد أثبت هؤلاء أن المال ليس تجارة رابحة وحسب، بل سلاحٌ جديدٌ يمكنه تمويل الحروب والانتخابات والمؤامرات والازمات ، وحشد المقاتلين والمشاركين في الانتخابات بالأجرة، بما يُحدث انقلابًا شاملًا في مفهوم إدارة حروب العصابات وتدوير الازمات وتكرار نفس الوجوه والشخصيات والتي برع المنكوسون في استدامتها طوال هذه السنين ، عبر المال المسترجع من أرباح التجارة والصرافة وأعمال التهريب وتجارة المخدرات والسلاح وتجارة الاعضاء البشرية والرشاوى وتسهيل مهام الارهاب والجرائم المنظمة في العراق ؛ ناهيك عن الاستحواذ على الموارد والدوائر والمؤسسات والامتيازات الحكومية , ونهب وسرقة الخيرات والثروات الوطنية .
ولمعرفة الغاية الحقيقية من الانفاق الانتخابي من قبل المرشحين والكتل والاحزاب ؛ امامنا عدة سيناريوهات محتملة ولا يوجد غيرها في البين كما يقولون :
1- البعض اقترض لتمويل حملته الانتخابية , وهذا الفرض خاص بالمرشحين الفقراء ؛ والغاية من هذا الفعل وتحمل معاناة الديون , الحصول على امتيازات ورواتب موظفي مجالس المحافظات فيما بعد , وطي صفحة الفقر والبؤس والى الابد ؛ لاسيما وان البعض من هؤلاء معروفين بالبخل والانانية والنرجسية ولا علاقة لهم بالكرم والايثار والمصلحة العامة .
2- ان بعض الحركات والاحزاب والشخصيات تمول حملاتها من الدعم الخارجي ؛ وغاية هؤلاء من الانفاق الانتخابي , الوصول الى مجالس المحافظات او مقاعد البرلمان العراقي لتمثيل مصالح الدول الخارجية والمخابرات الاجنبية في العراق , وتحويل العراق الى بقرة حلوب تستغلها تلك الدول بواسطة هؤلاء العملاء .
3- ان البعض ينفق ويسرف في حملاته الانتخابية ؛ من اجل تسنم المناصب الحكومية , للحفاظ على مصالح عوائلهم المتنفذة وزيادة نفوذها وقوتها في العراق على حساب ابناء الامة والاغلبية العراقية ؛ ولاسيما العوائل والشخصيات من ذوي الاصول الاجنبية والجذور الخارجية .
4- ان البعض يهدف من وراء الانفاق ؛ الحصول على الاموال الطائلة التي يمكن الحصول عليها عن طريق امتيازات وصفقات المسؤولين الفاسدين ؛ فهؤلاء استثمروا الاموال السحت في تجارة الانتخابات وهي في نظرهم تجارة كباقي التجارات والانشطة الاقتصادية ؛ فكلما صرفوا عليها , رجعت اليهم الاموال فيما بعد اضعاف مضاعفة ؛ وكما يقول العراقيون سابقا في احدى العاب القمار : (( ذب زايد تحصل زايد )) .
5- البعض ينفق على الحملات الانتخابية ؛ لقناعته بضرورة الحملات الانتخابية في بناء التجربة الديمقراطية , اذ تعتبر الحملات الانتخابية ركيزة من ركائز النظام الديمقراطية ولكن بشرطها وشروطها كما يقال ؛ الا ان البعض ينفق لأجل نجاح حملته الانتخابية لا لشيء اخر وبغض النظر عن مصدر الاموال او طرق التأثير في قناعات الجماهير .
6- البعض النادر يصرف على حملته الانتخابية بأمواله الحلال , ويطمح للوصول الى المنصب من اجل خدمة الوطن والمواطن , والاكتفاء بالراتب الحكومي فقط , والابتعاد عن صفقات الفساد والرشوة .
بعض المداحين المرتزقة والمتملقين والمتحزبين والمؤدلجين يدعون ان هذه المصاريف والاموال الطائلة التي تنفق على الحملات الانتخابية , والمشاريع التي تنفذ قبيل الانتخابات ؛ تصب في مصلحة المواطن والوطن اولا , وثانيا تصدر عن حسن نية وحس وطني وشعور بالمسؤولية ؛ ولا غبار عليها … ؛ وللاجابة عن تلميعات و ( كلاوات ) هؤلاء نقول :
1- يشترط في الانتخابات ان تكون نزيهة ؛ والانظمة الديمقراطية تعمل على تقديس اصوات الناخبين وحمايتهم من التأثيرات الجانبية والسلبية والتي قد تغير قناعات الناخبين ؛ ولعل من ابرز تلك التأثيرات السلبية , المشاريع الخدمية وغيرها والتي تنفذ بأموال الدولة وجهود الحكومة ؛ ثم تجير لصالح الكتل والاحزاب المرشحة ؛ وكذلك الاموال التي تنفق في تلك الحملات , وتعطى للمواطنين بمنة وهم صاغرون , اذ يعامل المواطن كالمتسول المسكين والمتشرد الفقير ؛ فترمى اليه ( البطانيات او الصوبات او افخاذ الدجاج … الخ ) او يشتري المرشح صوته بمبلغ 25 الف دينار … الخ .
2- اذا كانت المقدمات فاسدة ستكون النتائج فاسدة ايضا ؛ فماذا يتوقع المواطن من مرشح استخدم امكانيات الحكومة ومقدرات الدولة والمال الحرام في اقناع الناخبين …؟! .
3- لو كان لبان ؛ كما قيل قديما , فلو ان هؤلاء يتمتعون بالغيرة العراقية والحمية الوطنية والشعور بالمسؤولية كما يدعي البعض , لانعكست هذه الصفات الايجابية على افعالهم , ولبانت في تصرفاتهم وقراراتهم , فكل اناء بالذي فيه ينضح , اذ ان سيرة المرشح ومسيرة الحزب تكشف حقيقتهما , ولو كان هؤلاء صادقين في ادعاءاتهم وتصرفاتهم وانفاقهم ومشاريعهم , لبان الصدق في اقوالهم , والكرم والتضحية والوطنية في افعالهم , والوطنية والشرف في قراراتهم ومواقفهم , الا ان الواقع بخلاف ذلك ؛ اذ اننا لا نرى تلك الوجوه الا قبيل الانتخابات ثم تختفي فجأة لتعود كرة اخرى في الانتخابات المقبلة وهكذا دواليك , فبينهم وبين الوطنية بون شاسع ؛ وصدق من قال : ان النجاة في الصدق ؛ فلو اخلص هؤلاء للوطن واحبوا المواطن وعملوا لله كما يدعون ؛ لما احتاجوا الى هذه الحملات الانتخابية وكل هذا اللف والدوران والتدليس والتضليل والادعاءات الفارغة ؛ واليكم امثلة بسيطة من الواقع العراقي تؤكد ما ذهبنا اليه , فها هو هشام الذهبي العراقي الاصيل على بساطته وقلة امكانياته انتشر صيته في الافاق وعمت شهرته البلدان ؛ لأنه اخلص في عمله وخدمة قضيته الا وهي رعاية ايتام العراق المظلومين … ؛ وكذلك قصة الشرطي العراقي الاصيل سيف عباس كطوف الذي شيّد مجمعاً سكنياً للفقراء بألف دينار فقط ؛ التي اضحت مضربا للأمثال … الخ .
و كان حري بكم أن تنفقوا من اموالكم ورواتبكم على ابناء شعبكم وبني جلدتكم واهلكم ؛ طوال تلك السنين ؛ انفاقا مدروسا وذا قيمة ؛ كأن تشيدوا مدرسة او مكتبة عامة او مختبرا علميا او ملعبا رياضيا او مصنعا انتاجيا او متجرا بسيطا … الخ ؛ للفقراء والعاطلين عن العمل والارامل والايتام ؛ بدل هذا التبذير والانفاق السيء والمشاريع السطحية والوهمية والشعارات الفارغة من كل محتوى حقيقي وجوهري … .
أسفي على وطن بلغت روحه التراقي بسبب التنافس غير الشريف بين المشبوهين والفاسدين والمنكوسين ؛ والتكالب الهمجي على نهب ثرواته وخيراته وافلاس اهله وافقار شعبه وتضييع مستقبل اجياله .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here