بقلم// كوثر العزاوي

﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ الاعراف -٥١-
كثيرون مَن يجحَدوا نِعم الله ويُنكِرونها، ولا يعترفون بفضل الله وكرمه وعطائه، والأنكى توظيفهم تلك النّعم التي لاتحصى في معصية المنعم”جلّ وعلا” لدرجة نسيانهِ والصدّ عن سبيله والتمرّد على شَرعِهِ وأحكامه، والاعتداء على عباده، وماهذا النمط من الناس سوى شريحة تجرّدت من معاني السموّ ولم تعرف القيم والمُثل الى حياتهم سبيلا، فلا أقلّ من كونهم قطيع من البشر يعتاشون على فتات الشهرة والاضواء، همّهم إحراز أكبر عدد من المتابعين لأباطيلهم، وهم في نِعَم الله غارقون، لكنهم غافلون! إنهم ثلة ضلّت الطريق وخدعتهم الدنيا بغرورها حتى غرِقوا في وَحل الشهوات، ونسوا كل شي‌ء حتی الآخرة، بل أنكروا أقوال الأنبياء، وكذبوا بالآيات الإلهية، وسخروا من اهل الدين!! فالاغترار بالدنيا نافذة تفضي بالإنسان إلی الاستهزاء بالدين لتغدو الحياة بنظرهم «لَهْوًا ولَعِبًا..»كما عبّر القرآن، لينتهي بهم الامر إلى رفع شعار التحرّر من الدين والتحلّل الاخلأقي حدّ التنازل عن الشرف والأصل، قِبالة حفنة من متاعٍ سرعان ماتذهب لذّته وتبقى تبعاته وزرٌ على وزر وعارٌ على عار حتى القبر مالم يَعودوا الى الله بتوبة نصوح تُعيد لهم قَدرهم وإنسانيتهم، ولَعمْري ما كلّ هذا الطغيان والخُيلاء الذي يصل اليه البعض بمجرد أن باب حريّة الفكر صار مشرعًا بعد سنين من مصادرة الحريات وتكميم الأفواه! فبدل أن يُثبت هذا البعض إنسانيته بأبعادها السامية ويبذل وجوده في طاعة الخالق المنعِم، مستثمرا نعمة الحرية والأمان في بلوغ الكمالات والارتقاء بنفسه كما اقتضت الحكمة من وجوده كسيدٍ للمخلوقات تراه عكس ذلك، يهبط إلى حضيض السفالة مختالًا متغطرسًا، ولو قويَ الإيمان بالمعاد في قلبه لارتفع الغرور وانقشعت الغفلة! ولعل آخر الآية أعلاه تشير الى علّة جحودهم وكفرهم، فهي ليست في عدم معرفتهم بالنعم الإلهية وإنّما بحملهم تلك الصفات القبيحة التي نتجت عن التربية الفاسدة والبناء الهشّ الذي منعهم من الإيمان والطاعة، كالتعصّب الأعمی والعناد في معاداة الحق، و تقديم منافعهم المادية علی كل شي‌ء، وتلوّثهم بأنواع الشهوات، فضلًا عن التكبّر والغرور والصدّ عن كتاب الله تعالى واستمرار الجحود والعزوف عن التوبة، وقد ورد عتاب الله “عزوجل” لمثل هؤلاء قائلًا:
{‏يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ☆الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ☆ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ} وهذه الآيات وغيرها الكثير تهدف وبشكلّ دقيق إلی تعريف الإنسان المغرور بحقيقته، منذ كان نطفة قذِرة، مرورا بتصويره وتكامله في رحم امّه، حتی أشدّ حالات نموّه وتكامله، إذ تؤكّد علی أنّ حياة الإنسان في حقيقتها مرهونة بنعمِ الله عليه، وكلّ حيّ مغمور برحمة الله في كل لحظات حياته، فما ينبغي لكلّ حيّ ذي لبّ وبصيرة أن يترجّل من مطية غروره وغفلته، ويضع طوق عبودية المعبود الأحد في رقبته، فهل من الحكمة أن يتمرد هذا الموجود المكرّم علی هكذا ربّ رحيم كريم؟! وهل يحقّ لعاقل أن يغفل عن ذكر ربّه ولو للحظة واحدة ولا يطيع أمر مولاه الذي يضمن سعادته و فوزه؟!
لذا فإنّ الجحود المستمرّ بآيات الله تعالی والإعراض عنها، إنما يوجب الحرمان من الجنّة ونعيمها، ومن ينسی الله في الدنيا، سوف ينساه الله يوم القيامة، والعذاب الإلهي يتكافأ مع اعمال العباد “نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا”، كما يقول “فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ” ف{ الحذر الحذر أيها المغرور، والله لقد سَتَر، حتى كأنهُ قد غفر }. الإمام عليّ “عليه السلام”.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here