بقلم// رياض سعد

مما لاشك فيه ان للإنكليز والامريكان اليد الطولى في كل الازمات والنكبات والويلات العراقية ؛ لكن هذا لا يعني المبالغة بخطر نظرية المؤامرة واهمال العوامل الموضوعية والتاريخية والثقافية والاقتصادية والسياسية والثقافية الاخرى ؛ اذ يخطئ المجتمع العراقي في كثير من الأحيان عندما يُسَوِّغ إخفاقاته وأخطاءه بالتهويل من “نظرية المؤامرة” التي باتت لدى كثير من العراقيين تمثل كابوساً مخيفاً، أو شماعة يلقون عليها كافَّة الأعذار التي يرون أنَّها وحدها هي المسؤولة والتي تحول بينهم وبين ما يتطلَّعون إليه من اللحاق بركب التنمية والتجديد والتنوير والتطور ، فيلجؤون لاتهام الانكليز والامريكان وغيرهم ؛ بأنَّهم السبب الحقيقي لعدم تقدمهم وازدهارهم واستقرارهم .
أغلب الشعوب التي مرت بظروف صعبة وعصيبة , وعاشت في ظل الحروب الخارجية والازمات والصراعات الداخلية طوال عقود وقرون من الزمن ؛ اصيبت بالأمراض النفسية والعقد الاجتماعية , فقد يتوحش البعض , وتصبح روح الانتقاد والتنمر والانتقام هي السائدة في تلك المجتمعات المأزومة ؛ وتضحى صور الحياة السلمية والالتزام بالأخلاق والقوانين مصطنعة لا تعبر عن حقيقة الواقع , فكل فرد من افراد تلك المجتمعات معرض للتخوين والانتقام والتشهير والتنمر والاستهزاء والتسقيط ؛ كائنا من كان …!!
وبعد سقوط صنم الانحراف والشذوذ والانحطاط عام 2003 ؛ طفحت على السطح , الظواهر البعثية السلبية والصدامية الاجرامية ؛ فقد عمل الطائفيون العنصريون والبعثيون الصداميون وطوال عقود من الزمن على افساد اخلاق العراقيين , وتشويه المنظومة القيمية والاخلاقية للأغلبية والامة العراقية ؛ وقد تداعت إلى مسامعنا في الفترة الأخيرة أنواع كثيرة من الجرائم والتي يمكن وصفها بانها تتعارض مع القيم والمثل الحضارية العراقية والهوية الوطنية الاصيلة ؛ واغلب هذه الجرائم نشأت بذرتها الاولى في العهود المظلمة السابقة ؛ وقد اتت أكلها بعد حين , اذ ظهرت نتائجها واضحة للعيان في العهد الديمقراطي الجديد … فضلا عن الكثير من الظواهر السلبية الجديدة و التي بدأت تتكاثر بشكل ملموس في المجتمع خلال الفترة الأخيرة و التي تلقي بتأثيراتها السلبية على أمن المجتمع واستقراره، وسلامة العلاقات بين عناصره … ؛ ورغم أن هذه الظواهر السلبية كانت موجودة بدرجات مختلفة في الماضي كما اسلفنا ، الا انها ظهرت للعيان بسبب اجواء الحرية والديمقراطية والطفرة الاعلامية في وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي المختلفة ؛ ومن هذه الظواهر تعاظم نفوذ الناشطات والاعلاميات و( الفاشينيستات ) و ( البلوكرات ) ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام و ( الحلوين والمأبونين ) وسماسرة الدعارة في دوائر و وزارات الدولة المهمة والحساسة فضلا عن غيرها ؛ وظاهرة الابتزاز الالكتروني التي بدأت بصورة فردية ثم دخلت عصابات الجريمة المنظمة اليها ؛ ثم تطورت ليتم استغلالها من قبل عناصر محسوبة على الحكومة والاجهزة الامنية …!!
والكثير منا سمع ؛ مئات القصص لضحايا الابتزاز الالكتروني ؛ وطوال كل هذه السنوات لم تتحرك الحكومة بقوة لمواجهة هذه الظاهرة الاجرامية ولم تتخذ خطوات عملية للحد منها , وحماية المواطنين من المجرمين الالكترونيين – ان جاز التعبير – ؛ حتى الاجراءات الاخيرة للحكومة والتي تتعلق بالجريمة الالكترونية لم ترتق الى المستوى المطلوب ؛ وبسبب هذه الظاهرة الاجرامية تم اختطاف الكثير من الاطفال – اولاد وبنات – للإتجار بهم في عالم الدعارة او الخدمة او تجارة الاعضاء البشرية , واستغلال الكثير من الفتيات والنساء واجبارهن على ممارسة الموبقات والممنوعات والمحرمات , فضلا عن اصطياد الكثير من الرجال والشباب والايقاع بهم وقتلهم وتهديد عوائلهم واجبارهم على تسليم الفدية مقابل اطلاق سراحهم او تسليم جثثهم …الخ , وساءت الامور حتى اشترك في الجريمة الالكترونية العديد من العناصر الفاسدة والمحسوبة على الاجهزة الامنية والدوائر الحساسة الحكومية والاحزاب السياسية , بل وقع ضحية هذه الشبكات الكثير من منتسبي وزرارة الدفاع والداخلية والاجهزة الامنية فضلا عن موظفي باقي الدوائر الحكومية والشخصيات السياسية .
وقد حول هؤلاء المجرمون الفاسدون المخربون العراق الى بلد يصنف احيانا ضمن البدان الخطرة ؛ فقد امتلئ العراق بالعصابات والمافيات الارهابية والاجرامية والعميلة والخارجة عن القانون … .
نعم يعد (التشهير والايقاع بالآخرين والشماتة بهم ) سمة بارزة حاليا في الثقافة العراقية والسلوك اليومي للمواطنين وللأسباب التي ذكرناه انفا وللأسف الشديد ؛ وهذه الظاهرة السلبية تمارس من الاغلبية الساحقة وفي مختلف الاماكن العامة والخاصة ؛ حتى في الدوائر الرسمية والمؤسسات الدينية والثقافية والتجمعات الاجتماعية ، وهي تعكس نقصا كبيرا في البنية الاخلاقية والعقلية ؛ وتعكس ايضا غرابة التصرفات والاطوار للبعض ؛ اذ يجمعون بين التناقضات الحادة والعجيبة ما بين الدعوة للستر والترفع عن سفاسف الامور وعدم التطفل والتدخل في حياة الاخرين وما بين التشهير بالناس وتسليط الاضواء على الفضائح , والتدخل في الشؤون الجنسية والغرامية والخاصة لهذا المسؤول او ذاك المواطن …!!
لا يمر يوم من دون ان نشاهد (فيديو او صورة ) او نسمع تسريب صوتي ؛ يسلط الاضواء على القضايا الجنسية والغرامية الخاصة فضلا عن باقي الفضائح ؛ وبلا خجل او حياء ؛ من هذه التصرفات والكلمات الفاحشة التي تخل بالمنظومة الاخلاقية وتخدش الحياء العام .
ومما لا شك فيه ان بعض الاشخاص الفارغين يجدون انفسهم الضائعة وينفسون عن عقدهم المرضية ؛ في تتبع عثرات الناس والتشهير بهم , وتداول فضائحهم وتضخيمها والمبالغة في نقدها والتنمر على اصحابها وضحاياها .
ولذلك، فإنّ على المؤسسات الحكومية و الدينية والتعليمية والأهلية ومنظمات المجتمع المدني ورجال الاعلام والثقافة ؛ العمل الجاد من اجل ايجاد حلول ناجعة لهذه الظواهر السلبية والحد من تأثيراتها السلبية ؛ وأن تعي تلك العناوين والجهات أن التعامل معها ليس مسؤوليّة جهات بعينها، وإنما مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع العراقيين وبلا استثناء … ؛ والدعوة إلى التوقف عندها ومعرفة أسبابها ومعالجتها بصورة جذرية من خلال تعاون مؤسسات المجتمع المدني وغيرها مع الأجهزة الأمنية والدوائر الحكومية ووضع الدراسات والحلول لمثل تلك الظواهر الناجمة عن الانفتاح الإعلامي الواسع وتطور وسائل الاتصالات، واستخدام شبكة الانترنت بشكل اعتباطي وسيء .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here