التبرير ثقافةً وسلوكا

كنوز ميديا — د.أمل الأسدي

 

كثيرا ما نستعمل مفردة التبرير ولم نفكر بدلالاتها وسياقاتها وجذورها، فتبرير وتبريرات مصدر الفعل برَّرَ، والتبرير ابتكار العلل واالأسباب وسوقها أدلةً علی فعلٍ غير صحيحٍ أو مستهجنٍ أو غير مقبول، ولعل أول تمظهر للتبرير عرفناه، هو تبرير ابليس حين عصی الله سبحانه وتعالی ورفض السجود لآدم(عليه السلام) فلجأ الی التبرير بالقياس قائلا:((أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)) فقد أراد إبليس أن يبرر لنفسه عصيانه ومخالفته لآوامر الله، فالتبرير يبدو كوسيلةِ إقناعٍ تغلف الخديعة والزيف ليظهر العمل القبيح بصورة الأمر الطبيعي أو الأمر المحبب، وهكذا ظل التبرير أسلوب الشيطان الذي يعول عليه في تضليل الإنسان. وسيظل هكذا حتی يوم الحساب، إذ يتبرأ الشيطان من الإنسان قائلا: ((وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) إذ برر الشيطان دوره في تضليل الإنسان بأنه نتيجة استجابة الإنسان، محاولا التعمية علی موقفه ومخالفته لله تعالی، ومحاولا ترحيل الحوار الذي فضحه مسبقا كما في قوله تعالی:(( قال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ۞ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ ۞ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۞ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ۞ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ۞ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۞ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ۞قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ۞ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ۞ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ)).

 

وهكذا بقي التبرير وسيلةً خفية للإفساد في الأرض، علی مر العصور، وعلی اختلاف الأماكن والأشخاص، فإذا ما تتبعناه في ساحتنا وتأريخنا العربي الإسلامي سنجده يظهر بمظهرٍ صارخٍ وواضحٍ وعلني، إذ قرنه مستعملوه بمفهوم الدولة، وصارت أفعال الاعتداء علی الإنسانية، ومخالفة المعصوم، والانغماس في ملذات الدنيا من خمور وجوار وغلمان وأموال وطرب.. الخ من صور الانفتاح غير الأخلاقي، البعيد عن رسالة الإسلام والنبي الخاتم؛ صار كل ذلك مُبرَّرا تحت عنوان” الدولة” وهذا السياق بقي قيد العمل حتی لحظتنا هذه، بينما لو عدنا إلی منهج أهل البيت(عليهم السلام) لن نجد للتبرير محلا في فكرهم أو سلوكهم، فمنهجهم منهج الحق والحقيقة، ولا يقدمون خاصا علی عام، أو وهما علی حقيقة، أو زائلا علی ثابت، أو مؤقتا علی دائمٍ، أو دنيويا علی أخروي، فلم يبحث الإمام علي (عليه السلام) عن تبرير بناء الدولة مثلا، ليداهن ويجامل ويحمي حكمه، ويغدق أموال المسلمين علی من يشاء تحت المبرر المعروف( بناء الدولة) بل لم يخالف الله تعالی طرفة عين، وقدّم كل ما يملكه في سبيل الإسلام، في سبيل الإنسان، قدم نفسه وأهله وعياله وماله وقوته وعلمه وجهده وليله ونهاره.. كل ذلك قدمه في خدمة الإنسانية وخدمة الرسالة المحمدية!

هكذا انعدم التبرير في فكر الرسول وأهل بيته(صلوات الله عليهم) لأنهم لايبحثون عن الخاص الدنيوي، ولايقدمون المؤقت علی الأخروي الدائم!

ولكن التبرير بقي الأسلوب المرافق للحكومات وفقهها السلطوي الذي واجه المعصوم وابتعد عن جوهر الإسلام والأمثلة كثيرة جدا، لايمكن إحصاؤها، فبإمكانك أن تفرش أوراقك البحثية وتضع عنوان ” التبرير” بخط عريض، وتدرج تحته صوره وتمظهراته، حينها سينفد قلمك قبل أن تنجز عصرا واحدا من العصور!

والآن أيها المتلقي الكريم، هل تستطيع مراجعة حياتك ومواقفك، لتشخص كم مرة استعملت فيها التبرير أو وافقت علی أمرٍ وأنت تعلم أنه عمل باطلٌ يرتدي التبرير ليظهر بمظهرٍ حسن؟!

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى