أشهدْ يا تاريخُ، ودَوِّنْ للأجيالِ أعظمَ مظلوميةٍ يُجسِّدها أبناءُ غزّة… كربلاءُ هذا العصر.

بقلم _طوفان الجنيد

نعم، أشهدْ يا زمنُ، وارْوِ حكاياتٍ أليمة،
وارسمْ بمهنيةٍ وحصافةٍ كلَّ الصورِ والمشاهدِ القاتمة،
وسجِّلْ كلَّ آهاتِ وأنّاتِ المظلومين، وصراخِ المدنيين العُزَّل: نساءٍ وأطفالٍ وشيوخٍ.
واحكِ عن ذلك الدمار، وتلك الوحشية،
والإجرامِ المتعمد، والإباداتِ المقصودة،
والانتهاكاتِ الصارخةِ لكلِّ حرمة،
وافْضَحْ ذلك التمادي في الطغيانِ والغطرسةِ والإرهاب،
وعَرِّجْ على ذلك الصمتِ المُخزي، والتواطؤِ الأممي،
والخذلانِ المقيتِ للأنظمةِ العربيةِ والإسلامية.
ودوِّنْ للأعصرِ القادمة…
كيف وقَفَ أبناءُ غزّةَ في القرنِ الحادي والعشرين،
ليُعيدوا إلى الضميرِ الإنسانيِّ ذاكرةَ “كربلاء”.
ليسَ بسيوفٍ وخيول،
بل بقلوبٍ لا تهابُ الموتَ،
وأجسادٍ تتحوّلُ أطلالاً،
وأرواحٍ تعلو فوقَ صفاراتِ الإنذارِ ودويِّ الصواريخ،
صلاةً خالدةً على مذبحِ الكرامة.
وقل: إنَّ غزّة ليستْ نقطةً على الخريطة،
بل جرحٌ نازفٌ في جبينِ الإنسانية،
حيثُ يُختزلُ الزمنُ إلى ساعاتٍ تحتَ الأنقاض،
وتُقاسُ الحياةُ بلحظاتِ انتظارِ رغيفِ خبزٍ، أو جرعةِ ماء.
هناك، حيثُ يُولَدُ الأطفالُ على أنقاضِ البيوتِ المُدمَّرة،
وتُدفنُ الأحلامُ تحتَ الركامِ قبلَ أن تُولَد.
هناك، يُعادُ تعريفُ الثباتِ، والصمودِ، والتضحيات،
ليسَ بشعاراتٍ، بل ببساطةِ أنْ تبقى حيًّا،
تتنفّسُ رائحةَ الموت، وتروي لأطفالِكَ حكاياتِ الحياةِ التي لم يعرفوها.
كربلاءُ العصر… لا استنساخٌ، بل تجلٍّ.
ليستِ المقارنةُ تشابُهاً حرفيًّا،
بل هي تجسيدٌ لروحِ التضحيةِ في مواجهةِ آلةِ القهر.
فكما وقَفَ الحسينُ (عليه السلام) مُعلناً رفضَ الظلمِ،
حتى لو كلَّفَهُ الحياة…
ها هم أطفالُ غزّةَ، وشيوخُها، ونساؤها،
يُعيدون صياغةَ معنى “الموتِ من أجلِ الحياة”.
كلُّ شهيدٍ هو حرفٌ في كتابِ الحريةِ الذي يقرؤهُ العالمُ صامتاً،
كلُّ أمٍّ تمسحُ دمعَها بثوبٍ ممزقٍ لتُرضعَ طفلَها تحتَ القصف،
هي “زينبُ” زماننا،
حاملةً رسالةَ الألمِ والأملِ إلى عالمٍ أَصَمّ.
المظلوميةُ التي تُحرجُ التاريخ
يا تاريخَ الحضارات،
ألا تستحي وأنتَ تُسجّلُ صمتَ العالم؟
ألا ترتجفُ يداكَ وأنتَ تُدوّنُ كيفَ تُحاصَرُ إرادةُ شعبٍ؟
كيفَ تُسرقُ طفولتُهُ تحتَ ذرائعَ واهية؟
كيفَ يُحرَمُ المريضُ من دوائه… والعالمُ ينظر؟
إنها مظلوميةٌ لا تحتاجُ إلى إثبات،
فأدلّتُها في كلِّ حجرٍ من حجارةِ بيوتِها المُهدَّمة،
وفي كلِّ نظرةِ طفلٍ سأل:
“لماذا لا يريدوننا أن نعيش؟”
رسالةٌ إلى الأجيالِ القادمة:
اقرؤوا ما سطّرَهُ أجدادُكم في غزةَ بدمائهم،
ليسَ حقداً، بل درساً في أنَّ الظلمَ مهما عظُم،
فإنَّ إرادةَ الحياةِ أعظم.
أنَّ الإنسانَ حينَ يرفضُ الذلَّ،
يصنعُ من حُطامِ بيتِه نصباً للعزّة.
غزّةُ اليومَ… ليست مجردَ مكان،
بل ضميرٌ يُختبَر،
وشاهدٌ على زمنٍ خطَّأتْ فيهِ الإنسانيةُ مسارَها.

الخاتمة:
ستبقى غزّةُ…
شاهدةً على أنَّ الإيمانَ، والإرادةَ، والثباتَ، والعزيمةَ، والتضحيةَ،
هي الصخرةُ الصمّاءُ التي تتحطّمُ عليها قِوى الطغيانِ والاستكبار،
والقارعةُ التي تلتهمُ كلَّ الأطماع،
وتُذيبُ كلَّ الأحلامِ وأُمنياتِ الغزاةِ والمحتلّين.
وأنَّ شعار:
“هيهاتَ مِنَّا الذِّلَّة”
سيبقى مدوياً،
وصَداهُ يتردّدُ في كلِّ المعمورة،
وأنَّ كلمةَ اللهِ هي العُليا،
وكلمةَ الإجرامِ هي السُّفلى،
ووعدَ اللهِ لا يُخلَف،
وسنّةَ اللهِ لا تتبدّل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى