بقلم// إنتصار الماهود

زحام خانق في هذا الوقت، وفي كل وقت في شوارع بغداد، من الصباح الباكر وحتى المساء، وطريق العودة سيأخذ مني ضعف الوقت المقرر، من عملي لمنزلي رغم أنه ليس ببعيد، لكن بسبب القطوعات في الطرق، سيأخذ الامر وقتا أطول ، الأمر لله علينا أن نتحمل هذه الفترة المؤقتة، حتى يتم إنجاز المجسرات، التي ستستوعب هذا العدد الهائل من العجلات، تخيلوا معي أن بغداد لوحدها، فيها أكثر من 4 مليون سيارة، بينما العدد الذي يجب ان تستوعبه شوارعها، 350 الف سيارة فقط، ولم يتم تحديث المخطط العمراني لشوارع بغداد، منذ ولادتي أي حقبة الثمانينات في القرن الماضي،( أششش هذا سر، لا تخبروا أحداً عن عمري الحقيقي).
إستوقفت سائق تكسي، رجل خمسيني السن، بشوش الوجه لطيف الكلام، ” عمو تروح للحرية؟ شكد الكروة أوك تمام “.
لم أنطق أكثر من تلك الكلمات، فقد كنت متعبة، وأريد العودة للمنزل بأسرع وقت، لكن بسبب الطريق الطويل، والفضول الذي يتملكني دوما، بدأت أتجاذب معه أطراف الحديث ، من هو ؟ أين يسكن؟ كيف هي حياته؟ فالمحقق بداخلي لا يعرف الصمت أبداً .
العم مازن أبو رند رجل من الديانة المسيحية، من مواليد ستينيات القرن الماضي، من أصول بصرية نزح الى بغداد، بعد العام 2004 وإستقر بها، أما إخوته وأخواته هاجروا الى خارج العراق، بسبب التهديدات التي تلقوها في البصرة، لأكثر من مرة من قبل مجاميع،عملها فرض الأتاوات على المسيحيين هناك، إضطر الى السكن في بغداد والعمل في صنعة النجارة، والتي تعتبر مهنة مهمة وحرفة مميزة،تحدث لي العم مازن عن عمله بفخر، وكيف يصنع قطع الآثاث التسگام، ( والتسگام هو مصطلح شعبي يدل على المتانة والقوة)، وأن ما يصنعه من أثاث، يدوم طويلا على عكس الآثاث المستورد، والذي يكون عبارة عن ديكور، ومجرد ورق مكبوس فهو ضياع للوقت والعملة الصعبة، وإستطرد قائلا ” والله يا عمو أحسن من شغلنا ماكو، بس الناس كامت تدور ع الرخيص، يستوردوهن وينصبوهن كم سنة وتخرب، ويشمروهن وهم يجيبون نفس الشي ويضيعون فلوسهم، ما يوصلن لشغلنا أبد، الي تخلينه بالبيت سنين، وتجين ع الأثاث الي نشتغله بيدنا نفسه على قوته وحاله “
فسألته:(إذا هذا العشق كله والشغف للنجارة، وتتركها للعمل كسائق تكسي وتتحمل الإزدحامات في هذه الشوارع الخانقة؟).
أجاب بحسرة: ” عمو شنسوي الشغل بالنجارة مو مثل قبل،لكن بيت مفتوح والعائلة تريد، وآني ما عندي لا راتب ولا معين،ولازم أشوف طلبات بيتي، والله يا عمو كبرنا والحيل مو مثل قبل، بس ماكو حل ثاني “.
سألته من وجهة نظره كمواطن وصاحب حرفة، مال الحل؟ كيف ننقذ حرفة النجارة فأجاب ببساطة، هي مجرد خطوات بسيطة، إن وجد مسؤول حريص على مصلحة البلد يطبقها، ”باباتي كل الي نحتاجه بهاي المرحلة، رجال حوك مخلص وحريص ويفكر بالبلد أولا اسمعي مني “ وأكمل :
1. تقليل الإستيراد وتقنينه، فالبضائع المستوردة قد فاقت الحد، وأصبح العراق سوقا لتصريف الفائض من منتجات الدول.
2. فرض رقابة وسيطرة نوعية على البضائع المستوردة، فإنعدام وجود الرقابة، تسبب بدخول كوارث إنتاجية، تعتبر ضياع وتبذير في العملة الصعبة والوقت والجهد.
3. تفعيل وتشغيل معامل القطاع الخاص، من خلال الدعم الحكومي ومنح القروض، مع الرقابة الصارمة، من أجل ضمان تشغيل المعامل والمصانع، فالكثير من أصحاب الورش والمعامل، يستلمون القروض ويبددونها دون الإفادة منها.
4. تفعيل قوانين حماية المنتج الوطني، والمستهلك العراقي والمعاقبة الصارمة لكل من يخالفها.
تلك الحلول رغم بساطتها، لكنها من وجهة نظري فعالة جدا، وآنية تتلاءم مع ما تمر به الصناعة العراقية، ونتمنى أن يتم الاخذ بها.

الى هنا إنتهت رحلتي مع العم مازن اللطيف، والتي إستمرت لقرابة الساعتين، من يدري من سيكون محور مقالي الجديد ربما مع مواطن آخر ألتقي به وقصة جديدة تحمل في طياتها مشكلات وهموم تحتاج للحل أيضا، فالبلد ومواطنيه قد عانوا الكثير، وهم بحاجة لأن يصل صوتهم، بين الحين والآخر لصانعي القرار، وهذه مسؤوليتنا نحن.
شتگولون حبوبة؟؟

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here