بقلم// رياض سعد

من الواضح أن المال يلعب دورا محوريا في بعض الحملات الانتخابية العراقية ، كما أن تكاليف الحملات الانتخابية تزداد من حملة لأخرى ؛ تبعا للظروف السياسية والاقتصادية والحزبية وغيرها ؛ وقد يطغى صوت المال احيانا على صوت الناخب الواعي والمرشح المستقل الحر ؛ لان الاموال الطائلة والحملات الانتخابية الكبيرة للمرشحين المتنفذين والكتل القوية والاحزاب الغنية ؛ تحد من قدرة المرشح العادي على خوض المعترك الانتخابي ؛ ما يعطي مزايا إضافية للأغنياء الذين يمكن لهم حسب القانون أن ينفقوا ما شاؤوا من أموالهم الخاصة على حملاتهم الانتخابية (1) … ؛ وحتى عام 2021 كان ملف الانفاق الانتخابي وباب مقدار ذلك الانفاق مفتوحا على مصراعيه ؛ اذ للمرشح الحق في صرف ما يشاء من اموال على حملته الانتخابية … ؛ اذ لم يحدد القانون بعد سقوط النظام البائد عام 2003 ؛ مقدار الاموال التي يمكن للأحزاب والمرشحين استخدامها في الدعاية الانتخابية ؛ فلم تحدد آلية لكمية الاموال وكيفية استخدامها بصورة تفصيلية ودقيقة ؛ مما اوجد ثغرات قانونية استفاد منها البعض على ارض الواقع … ؛ وفي هذا الشأن ، أكدت المتحدثة باسم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق جمانة الغلاي – عام 2021 – : أن القانون العراقي لم يضع محددات على الصرف على الدعاية الانتخابية … ؛ وأضافت الغلاي في حديث للجزيرة نت أن المفوضية تلتزم بما أقره القانون العراقي في تحديد أماكن نشر الدعاية الانتخابية وعدم إثارتها النعرات الطائفية والقومية ، مع وجود عقوبات على المخالفين، دون أن يشمل عمل المفوضية مراقبة كمية الأموال التي تصرفها الأحزاب على دعايتها الانتخابية… ؛ وقال الخبير القانوني علي التميمي : أن عدم تحديد الصرف على الدعاية الانتخابية يؤدي للجوء الأحزاب إلى مصادر تمويل خارجية (الجزيرة نت) … ؛ وفي حديث للجزيرة نت، يقول التميمي إن أغلبية دول العالم تضع محددات لصرف الأحزاب على الحملات الدعائية من خلال فتح حسابات مصرفية لها، وهو ما لم يتضمنه قانون الأحزاب العراقية وقانون الانتخابات الجديد الذي تم إقراره العام الماضي… ؛ ويرى أن عدم تحديد الصرف على الدعاية الانتخابية يؤدي إلى لجوء كثير من الأحزاب إلى مصادر تمويل خارجية، لافتا إلى أن ذلك سينعكس سلبا على ولاء بعض النواب للبلاد، مما قد يفتح شهية الأحزاب على استخدام المال السياسي وأي مصادر أخرى متاحة لها… ؛ وقد علق النائب عن اللجنة المالية النيابية أحمد حمة رشيد قائلا : إن عدم وضع آليات ومحددات لصرف الأحزاب على الحملات الدعائية جعل الأمر مفتوحا على مصراعيه، مما جعل بعض الكتل السياسية تصرف على حملاتها الانتخابية ما يقارب 150 مليون دولار حتى الآن.(2)
فما زال المال السياسي يشكل أحد أكبر العوائق التي تواجهها الأحزاب الصغيرة والناشئة والشخصيات المستقلة خلال انتخابات مجالس المحافظات التي يستعد العراق لإجرائها في 18 ديسمبر المقبل … ؛ وقد لعب المال السياسي دورا كبيرا خلال العمليات الانتخابية التي شهدها العراق منذ عام 2005، فالأحزاب الكبيرة والمرشحون المدعومون منها، طالما استخدموا مبالغ مالية كبيرة في سبيل الحصول على أصوات الناخبين، خلال مراحل الدعاية الانتخابية، بينما كانت حظوظ المرشحين المستقلين وغير المدعومين من الجهات السياسية الكبيرة قليلة في الحصول على نتائج جيدة في تلك الانتخابات … ؛ وبهذا الصدد صرح رئيس اللجنة السياسية في حزب “الاتحاد العراقي للعمل والحقوق”، حسين جبار بما يلي : (( إن إزالة هذه العوائق تكون عبر تشريع قانون الأحزاب… ؛ و وضح لـ”ارفع صوتك”: لم يشرع البرلمان العراقي حتى الآن قانون الأحزاب ، وإذا أُقر بنسخة عادلة سيقلب الطاولة على المال والسلاح السياسي معاً …)) .
وأكد نائب مدير منظمة “بصرياثا” الثقافية، حسن الحجاج على الفارق الكبير بالقدرات المالية للأحزاب الصغيرة والجديدة مقارنة مع الأحزاب المتنفذة في العراق، وهو ما “يؤثر” برأيه ، على نتائج الانتخابات من محورين رئيسيين… : المحور الأول يتمثل في قدرة الأحزاب المتنفذة على تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين بمبالغ تتراوح بين عشرات الآلاف من الدولارات حتى مئات الآلاف أحياناً، بينما افتقار الأحزاب الصغيرة للموارد المالية المشابهة للأحزاب المتنفذة يجعل من المتعسر عليها دعم مرشحيها الذين يعتمدون على جهودهم الذاتية… ؛ فيما يتمثل المحور الثاني من تأثيرات المال السياسي “بقدرة الأحزاب الكبيرة على تقديم مرشحين من طبقة رجال العشائر الذين يحصدون أصواتاً عشائرية كثيرة مقابل مبالغ مالية عالية وامتيازات معينة بمجرد الترشّح، حتى لو لم يفز المرشح، فيما لا يرشح أغلب المنتمين لهذه الفئة مع الأحزاب الصغيرة التي لا تقدم الامتيازات المادية والمعنوية . (3)
وقال أحد اعضاء الأحزاب المشاركة في الانتخابات، في تصريحات ان عملية شراء الأصوات تتم من المال العام الذي يسرق بطرق عديدة عبر المناصب العليا، داعيا الأجهزة الأمنية بالتصدي الى هذه الحالات بعد انتشارها في كركوك والمحافظات الغربية.
وقال رئيس منظمة ديالى لحقوق الانسان طالب الخزرجي في حديث لـ”بغداد اليوم”، ان “انتخابات 18 من كانون الاول اظهرت جزءا من عالم البذخ والمال السياسي الذي تتمتع به بعض القوى السياسية من خلال انفاق غير مسبوق على الدعاية في محاولة لحصد الاصوات بكل الطرق المتوفرة”… ؛ واضاف، ان “انتخابات مجالس المحافظات في ديالى تضم 328 مرشحا كل واحد منهم ينفق في المتوسط 20 مليون دينار على الدعاية الخاصة بالبوسترات التي تنشر بالشوارع وهو رقم محدد للبسطاء من المرشحين لكن بعضهم انفق من مليار الى مليار و500 مليون على دعاية البوسترات من خلال نشر مئات البوسترات”، مؤكدا بان “احد المرشحين خصص قرابة 4 مليارات لتمويل حملته الانتخابية”… ؛ واشار، الى ان “كلفة الدعاية الخاصة بالبوسترات في شوارع ديالى تقترب من 10 مليارات دينار لكن لو تم احصاء ما انفق من خلال الولائم وبعض المشاريع الصغيرة في كسب الاصوات من قبل مرشحين مدعمون من قبل رجال اعمال او نخب سياسية ثرية الاموال تقترب من 30 مليار دينار” … ؛ ولفت الى ان” الارقام تبقى مفتوحة وعملية الانفاق تصل الى ذروتها مع قرب استحقاق 18 كانون الاول خاصة مع حدة التنافس بين قوى سياسية متعددة للظفر بمقاعد في مجلس ديالى المقبل”.
من جهته، قال عضو لجنة النزاهة البرلمانية باسم خشان، لـ”العربي الجديد”، إن “القوى المتنفّذة تعمل دائماً على استغلال موارد الدولة وأموالها بالحملات الدعائية الانتخابية”، موضحاً أنه “لهذا نجد أن هناك إنفاقاً مالياً كبيراً من قبلها في الحملات الانتخابية”. ومقابل ذلك لفت خشان إلى أنه “لا توجد أي رقابة على تلك الصرفيات من قبل الجهات ذات العلاقة”… ؛ وأشار خشان إلى أن “المال السياسي، الذي تعمل على صرفه بعض الكتل والأحزاب في حملاتها الانتخابية جاء نتيجة الصفقات والسرقات التي حصلت طيلة الفترة الماضية”، لافتاً إلى أن “هناك جهات تصرف ملايين الدولارات بكل حملة انتخابية لها”… ؛ وفي السياق، شدّد على أهمية أن تكون هناك مراقبة حقيقية لمعرفة مصدر أموال كل جهة سياسية تشارك في الانتخابات.
وتختلف الحملات الدعائية الانتخابية بين مرشح وآخر وكتلة واخرى ؛ من ناحية حجم الانفاق ، فالبعض منهم وضع شاشات أو لافتات عملاقة لصوره ونشرها في الشوارع والساحات العامة… ؛ فيما أكتفى المرشحون الفقراء بطبع قصاصات ورقية صغيرة تحوي صورته وتسلسله داخل القائمة الانتخابية، وهي من الصغر بحيث يمكن وضعها في محفظة جيب … ؛ وإزاء هذا التباين في حجم الانفاق ، يرى المختصون والخبراء : أن الأموال ستكون لها الغلبة في صعود المرشحين الذين يمتلكون أموالا أكثر من غيرهم ؛ فالغلبة للمال والنفوذ ؛ ويعتبر هذا الامر ؛ المأخذ الأبرز على الانتخابات العراقية ؛ وهو عدم وجود عدالة بين المرشحين في الوصول إلى الناخبين العراقيين … ؛ علما ان المعايير الدولية للانتخابات تشترط وجود فرص متكافئة بين المرشحين او حد أدنى للمرشحين لوصول اصواتهم للناخبين بصورة عادلة ومتساوية .
وبسبب الاعتراضات والشكاوى المقدمة من قبل المواطنين والمرشحين والنخب بهذا الخصوص ؛ حددت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، الحد الأعلى للإنفاق على الحملات الانتخابية، لضمان مبدأ التكافؤ والعدالة بين جميع الكيانات السياسية والمرشحين … ؛ حيث تقرر أن يكون الحد الأعلى للإنفاق الانتخابي للمرشح مبلغا متغيرا قدره (250) دينارا عراقيا، مضروبا بعدد الناخبين في الدائرة الانتخابية المرشح عنها، ويكون سقف الإنفاق الانتخابي للحزب والتحالف السياسي المبلغ نفسه المخصص للمرشح، مضروبا بعدد المرشحين لقائمة الحزب أو التحالف في الدائرة الانتخابية… ؛ وبذلك ستضمن المفوضية العدالة بين المرشحين المشاركين في أي عملية انتخابية وستقلل من سطوة المال على العملية الانتخابية ؛ وبالتالي فإن المدينة التي يبلغ عدد ناخبيها 500 ألف سيكون مسموحاً للمرشح عنها الإنفاق بواقع 125 مليون دينار، أي نحو 90 ألف دولار ؛ ولو ضربنا هذا العدد والذي يعبر عن الحد الادنى في واقع الامر ؛ في عدد المرشحين وهو 6000 مرشح , لكان الناتج = 540,000,000 مليون دولار ؛ هذا الرقم باستثناء صرف الكتل والاحزاب والتحالفات .
ويدفع هذا الرقم للتشكيك بالتزام المرشحين بما حددته المفوضية، إذ إن بعض حفلات ومؤتمرات الأحزاب التي تتضمن ولائم وهدايا في أكثر من مكان بوقت واحد تتجاوز هذه الميزانية بكثير … ؛ وذكر المتحدث الإعلامي لمكتب انتخابات النجف حيدر طوير، في تصريح لجريدة “الصباح” شبه الرسمية، وتابعه موقع IQ NEWS، أن “مجلس المفوضين وضع تعليمات محددة بشأن الصرف على الحملات الانتخابية”، مبينا أن “التعليمات تتضمن إلزام الأحزاب والتحالفات السياسية والمرشحين بتعيين محاسب مالي يتولى مهمة تقديم التقارير المالية بشأن الأموال المصروفة في الحملة خلال المدة الزمنية التي حددها مجلس المفوضين، كما ألزمت جميع الكيانات السياسية بسقف الإنفاق الانتخابي المحدد من قبل المجلس”… ؛ وأشار إلى أن “المفوضية شكلت لجانا لرصد المخالفات في الحملات الانتخابية في عموم المحافظة”، مبينا أنه “بالرغم من تحديد سقف الإنفاق الانتخابي، إلا أن المواطنين مازالوا يرون فرقا واضحا بين حملات الأحزاب الكبيرة ونظيرتها التي تخص الكيانات الصغيرة والناشئة، بيد أن معظم المواطنين يؤكدون أن الصور والإعلانات المبالغ بها لا أهمية كبيرة لها في اختيارات الناخبين”.
غير أن هذه الخطوة وإن كانت مهمة على المستوى النظري، إلاّ أنه من الصعوبة بمكان ضبط هذه العملية بهذا الميزان، لاسيما وأن هناك عمليات دعائية لا تقتصر الجهود فيها على تعليق اللافتات أو إقامة الملتقيات والتجمعات وإنما قد تصل الأمور فيه لشراء الأصوات… ؛ اذ انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تكشف عمليات شراء البطاقات الانتخابية بمبالغ مالية، فيما افادت مصادر من القوى المدنية المستقلة الجديدة، ان تجارة البطاقات الانتخابية معروفة منذ الدورات الانتخابية السابقة، وان الائتلافات المدنية الجديدة تؤشر عليها باعتبارها من صنيعة قوى متنفذة، تحاول الاستحواذ على صناديق الانتخابات , فكيف يمكن ضبط ذلك…؟ .
وأكدت مفوضية الانتخابات في وقت سابق : أنها غير قادرة على حصر حجم الأموال التي ينفقها المرشحون لعدم امتلاكها الأدوات اللازمة لذلك … ؛ وقال مدير الدائرة الانتخابية في المفوضية رياض البدران : إن “رصد حسابات المرشحين أو ما ينفقونه في الحملات الدعائية أمر معقد للغاية لأنه يحتاج لموارد بشرية هائلة لا يمكن للمفوضية أن تمتلكها في الوقت الحالي”… ؛ فعلى الرغم من وضع المفوضية العليا للانتخابات في العراق حداً أقصى للإنفاق في الحملات الانتخابية المُقرر انطلاقها قبل ستين يوماً من الانتخابات المحلية (انتخابات مجالس المحافظات)، المنتظرة في 18 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، تشكّك أطراف سياسية عراقية بإمكانية التزام الأحزاب المتنفذة بتلك الحدود، وسط دعوات لمتابعة مصادر الأموال التي تُصرف في الحملات الانتخابية… ؛ وفي هذا السياق، قال جميل، لـ”العربي الجديد”، إن “هناك لجاناً مختصة فنية في المفوضية ستعمل على متابعة ومراقبة الإنفاق على الحملات الانتخابية من قبل كل الكتل والأحزاب المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات”، وأضاف أن “أي تجاوز لهذا الإنفاق سوف يعرّض تلك الكتلة للمحاسبة وفق القوانين”.(4) .
ولعل سائل يسأل : ان هذه الالاف من الصور والدعايات و ( البوسترات ) والمنتشرة في كافة شوارع وساحات وبنايات المدن والقرى , وهذه الولائم والمهرجات والعزائم والاحتفالات , والانشطة والفعاليات , واللقاءات المكلفة في الفضائيات , وتوزيع الهدايا والاموال … الخ ؛ والتي تقدر بالمليارات ؛ كيف سيتم تعويضها …؟!
لاسيما واننا نعلم علم اليقين ؛ ان رأسمال جبان ويبحث عن الاستثمار في البيئات الامنة ومضمونة الارباح , وكذلك نعلم ان الذين يصرفون هذه المليارات لا يصرفوها قربة لله او حبا بالوطن او من اجل مصلحة الفقراء والمواطنين ؛ لذلك ذهب البعض الى القول : بأن هذه الاموال مقدمة لابتلاع ميزانيات مشاريع المحافظات , او خطوة اولى لشراء المناصب والامتيازات والاستثمارات .
……………………………………………….
1- أثر المال على الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية / نجيب الغضبان / بتصرف .
2- إنفاق بلا حدود / احمد الدباغ / بتصرف .
3- نقص المال “يعيق” تقدّم الأحزاب الناشئة في العراق / دلشاد حسين / بتصرف .
4- موارد الدولة تغذي الإنفاق على الحملات الانتخابية / عادل النواب / بتصرف .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here