بقلم// ضياء المياح
اختلاف الفرد عن المجموع هو انحراف هذا الفرد عن ثقافة مجتمعه بغض النظر عما إذا كان انحرافه سلبيا أم إيجابيا، حيث يمكن أن يكون اختلاف بعض الأفراد القلائل عن مجتمعاتهم إيجابيا في حالات تاريخية نادرة. إذ غالبا ما تكون سيرة الأنبياء والعظماء والمفكرين والمصلحين هي الانحراف الإيجابي الذي غيرَ ويُغير مسيرة مجتمع وثقافة الجمهور إن لم يكن يغير العالم بأكمله. مثل هذا التغيير مقبول تاريخيا في حينه وفي مستقبله. لكن لن يكون التغير مقبولا إن أختلف فرد أو أفراد أو مجموعات قليلة من الأفراد عن قيم وتقاليد المجتمع بفكر سلبي أو سلوك سيئ، لأنها حينها تكون مخالفة للمجتمع واستهتار بقيمه. وإن تصرف جميع أو معظم أفراد المجتمع بمثل تصرف الفرد السيئ فقد انهدمت ثقافة مجتمع.
تتحقق نتائج الانحراف السلبي أو السيئ عندما تكون مخالفة للاتجاه العام ومستهترة بثقافة وقيم مجتمعه. عندها سيتطلب الأمر معاقبة الفرد المنحرف طالما إن انحرافه أو مخالفته فيها إساءة لقيم المجتمع ومخالفة السلوك العام والقواعد والقوانين المعمول بها في ظل منظومة مجتمعية وأخلاقية وقانونية ترفض هذه الممارسات وتعاقب عليها. وهكذا الأمر بالنسبة لأفراد قلائل أو مجموعات محدودة من الأفراد.
لكن ما هو العمل إذا اصبح الفكر المنحرف والتصرف السيئ سمة عامة لعدد كبير من الأفراد في المجتمع ولم يعد يُنظر إليه كأنه انحراف سلبي أو عيب؟ كيف نحل مشكلة من يتفاخر بأفكاره المنحرفة وأعماله السيئة؟ وكيف نجد تفسيرا إذا ما وجدنا إن المجتمع بدأ يتقبل هذه الأفكار المنحرفة والأعمال السيئة؟ وقد تكون المصيبة الكبرى إذا ما راح بقية أفراد المجتمع يقلدون هؤلاء المنحرفين والسيئين بل والبعض يعتبرهم قدوة يسعى لأن يسير على نهجهم!! وصار الكاذب أو الغشاش أو المزور أو المرتشي لا يبالي إن عرفَ الاخرون بحاله ام لم يعرفوا.
أصبح الاختلاف بالملبس والمظهر مقبولا إلى حدود بعيدة. ولن يتأثر حكم الناس إن رأوا رجلا (أو رجالا) يرتدي (يرتدون) ملابس وحليً مشابهة لملابس وحليً النساء أو نساءٌ يتشبهن بالرجال. لم يعد هذا الأمر مهما في نظر الناس. مثل هذا الاختلاف ليس انحرافا (كبيرا) في نظر المجتمع. وصار هذا الإختلاف تصرفا طبيعيا يقبل عليه الأفراد حتى أصبحت مخالفته هي الإنحراف.
لكن هناك اختلافات أو مخالفات بدأت تنتشر في مجتمعاتنا وتصبح ممارسات اعتيادية لا يطالها القانون ولا يعاقب عنها. فتحولت من استهتار فرد إلى ثقافة مجتمعية. فمخالفة سائق سيارة لقواعد السير هو استهتار فرد ومخالفة معظم سائقي السيارات لهذه القواعد هي ثقافة مجتمع. أن يستولي فرد أو مجموعة أفراد على الأرصفة الموازية لبيوتهم أو محلاتهم هو استهتار (إن لم يكن محرم شرعا) وأن يستولى معظم الأفراد على تلك الأرصفة هي ثقافة مجتمع. أن يقوم فرد بسحب التيار الكهربائي أو مد أنبوب ماء أو مجاري مياه ثقيلة بدون موافقات رسمية هو استهتار وان يقوم بهذا العمل معظم الأفراد هو ثقافة مجتمع. إغلاق شارع فرعي أو رئيسي من قبل فرد لأسباب شخصية هو استهتار، وان يصبح الأمر ممارسة معتادة من قبل أكثر الأفراد هو ثقافة مجتمع.
ومثل هذه الممارسات المخالفة لقيم المجتمع والسلوك العام والقواعد والقوانين المتبعة كثيرة ومتنوعة أصابت مجالات الحياة المختلفة، حتى أضحت سمة تميز تصرفات مجموعة بل مجاميع من الأفراد وليس إستهتار أفراد قلائل. لقد أصبحت ثقافة مجتمع سترمي بثقلها السيئ على الأجيال القادمة يوم يرون ما هو صحيح سيئا وما هو منحرف صالحا، عندها لا يمكن السيطرة على توجه المجتمع وتقبله للانحراف المتزايد.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here