كنوز ميديا / ثقافة وفن

تقف هذه الزاوية مع مبدع عربي في أيام العدوان على غزّة وكيف أثّر على إنتاجه وحياته اليومية، وبعض ما يودّ مشاركته مع القرّاء. “الطّغاة والمحتلّون لا يقرأون صفحات التاريخ جيداً”، يقول الشاعر والناقد العراقي في حديثه لـ”العربي الجديد”.

■ ما الهاجس الذي يشغلك هذه الأيام في ظل ما يجري من عدوانِ إبادةٍ على غزّة؟

– أُسائل وبصدمة لا توصف، غيبوبةَ الضمير البشري، وسُبات سلطة العقل، وانكشاف زيف شعارات الثورات الكبرى والدساتير والديمقراطية وحقوق الإنسان. أين “المتحضّرون” الذين يُبالغون في مظاهر الإنسانية والعدالة حدَّ البحث عن حقوق الحيوان، ويعصبون أعينهم عن إبادة جماعية مُتلفزة، شبيهة بـ”قصة موت مُعلَن”، يعلم به الجميع. إنها لحظة حزينة في تاريخ البشرية سيحفظ التاريخ عارها. عار بلغ ذروته، وبعد أشهر من مجازر مفتوحة بلا رادع وتدمير مُمنهج لكلّ شيء في غزّة: يُقال في الغرب إنه ليس هناك ما يدلّ على وجود تلك الإبادة، ولا ضرورة حتى لوقف إطلاق نار يلتقط فيه الناس أنفاسهم، ويدفنون موتاهم أو يبحثون عنهم في ركام صنعته الطائرات على مدار الساعة.

■ كيف أثّر العدوان على حياتك اليومية والإبداعية؟

– ارتباك شديد. ضياع بوصلة العقل، ومتابعة مُميتة لما يجري. خوف من اعتياد الناس على مشاهد الموت حتى تغدو أمراً هيّناً. ذاك أقلقني، وطاول يومياتي وأولوياتي، واعتراني ما يُشبه الشَّلَل الذهني. تشتُّت وتساؤل ورعب. لقد تعرّضتُ لفقدٍ كبير. فقدتُ ابني مخطوفاً في حمّى الاحتراب الطائفي في العراق قبل سنوات. كانت محنة وصفها الراحل العزيز أمجد ناصر في مقال له بأنها تعمّ وتبهظ الضمائر والقلوب. والآن كيف لا أشعر بأسىً مُمضّ، وأنا أرى الأمّهات والزوجات والآباء والأجداد والأطفال يبحثون عن أحبّتهم في رُكام الدمار الشبيه بكارثة كونية صاعقة؟

■ إلى أي درجة تشعر أن العمل الإبداعي ممكنٌ وفعّال في مواجهة حرب الإبادة التي يقوم بها النظام الصهيوني في فلسطين اليوم؟

– لقد أيقنتُ أنّ ما يجري هو جريمة تاريخية قَيّض لنا قدرُنا أن نكون شهودها. وهي من الخطورة بحيث لا تُدانيها كلمات أو صيحات. وصار ذلك الشعور بالعجز يدبّ في تلعثم كلماتنا. ما نرى لا تحدُّه أوصاف أو بلاغات. وكان ما كتبته وكثير من زملائنا محاولة لتأويل ما يجري وقراءة امتداداته التاريخية. ولكنّ هَول ما يحدث والتزييف الذي يُصاحب الجريمة جعل كلماتنا قاصرة عن بلوغ الهدف. أذىً هائل يُسبّبه عنف الصورة، وسعة الكارثة، وتدبير الموت الجماعي، وصمتُ العالَم وتواطؤ حكّامه وأنظمته.

■ لو قيّض لك البدء من جديد، هل ستختار المجال الإبداعي أو مجالاً آخر، كالعمل السياسي أو النضالي أو الإنساني؟

– أحسّ أنني لن أغيّر من موقعي الفكري والثقافي. لديّ شعور بأن ما نشأتُ عليه وقرأته ودرسته ثم قمتُ بإجرائه في تجربة الكتابة، أصبح جزءاً منّي. يغيب بغيابي ويلتصق بشخصيّتي ما دمتُ أعيشها وتتلبّسني. لا أُجيد سواها. الكتابة همُّنا وفردوسنا الأرضي وطيف جحيماتنا أحياناً كما في اللحظة الفلسطينية الماثلة. والكتابة تحتوي كلّ ما اقترحه السؤال: سياسةً وإنسانية. وجود الكتابة شاهد على الحياة، وتوقّفها هو الموت بأكثر أسمائه رعباً.

■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟

– استيقاظ العقل الغربي خاصة من أوهامه وضلالاته في تصوّر ما يدور اليوم. وتبعيّة العالَم لتوصّلاته ووجهات نظره. أن يقرأ ما يحدُث حوله لا بفعل الصُّور النمطية التي صنعها ليقنع نفسه بصواب ما يُفكّر به. ثمّة قناعات هزيلة تتحكّم في العالَم جلّها مفارقات ومصادرات منطقية وحِيَل كلامية وتزوير للتاريخ. خُذ مثلاً تصوير العرب كمُعادين للساميّة وهم ساميّون. وتحميلهم وزر المحرقة، وصانعوها أوروبيّون يُساهمون اليوم في تغذية الموت اليومي في فلسطين. وتمجيد القاتل، ومحو الضحية.

■ شخصية إبداعية مقاوِمة من الماضي تودّ لقاءها، وماذا ستقول لها؟

– سأكلّم كثيرين، السيّاب وهو يسأل قبل نصف قرن: “قابيل أين أخوك/ يرقد في خيام اللّاجئين”. لم تعد من خيام حتى. طارت بها الطائرات المُغيرة. ولمحمود درويش: الأرض التي عليها ما يستحقّ الحياة احترقت. لا يتبيّن من وجهها وظهرها إلا الدم والحرائق. وللمتنبّي: ثمّة غربة مضاعفة تتعدّى الوجه واليد واللسان إلى وجودنا كلّه، نعيشها حتى في أوطاننا. ولغسان كنفاني: ليس من خزّان تدقّه الأيدي. أضحت الأرض كلّها خزاناً تنصهر في ظلامه الأرواح والأجساد والأفئدة.

■ كلمة تقولها للناس في غزّة؟

– ما من كلمة ترقى لما عانيتم وتعانون. ولا لوصف أسطورة حياتكم وسط سُعار العدوان ووحشيّته. المستقبل لن يُخطئ طريقه إليكم، ولكن ببذلٍ ندرك كم هو باهظ وكبير.

■ كلمة تقولها للإنسان العربي في كلّ مكان؟

– لتشعر بإنسانيتك، وتتلقّف الجديد، ولا تخشَ أن يمسخ هويتك. تلك بدعة حِيكت لتظلّ مكانك لا تبارحه. ولتَحْتكم لعقلك. لم يعد من ثمر مُحرّم في شجرة المعرفة. أما آن لنا أن نحيا في قلب عصرنا لا على هامشه؟ أشاطركم السؤال. أبحث عن إجاباته في الأدب، فأجدنا لا نزال نخشى الكثير من المغايرة والمغامرة، ونجترّ ثوابتنا ولا نتوفّر على مراجعة عقلية لها. وتضطرب صلتُنا بالآخَر بين تبعيّة مُذلّة، ورفضٍ متشنّج، وتسير الثقافة خطّيّاً. تتراكم النصوص والمفردات ولكن دون قفزة نوعيّة تصنع التحوّل المطلوب. ما زال سؤالُ الأشكال في الكتابة غائماً ومشوّشاً تحفّ به الموانع وتصدّه القناعات المتمترسة وراءها. كلّ خطوة للأمام تشدّها عشرٌ للوراء. لنتأمل مثلاً عودة شعر المهرجانات والشفاهية الغنائية والأشكال الشعرية التي نفد مفعولها.

■ حين سُئلت الطفلة الجريحة دارين البيّاع التي فقدت معظم أفراد عائلتها في العدوان، ماذا تريدين من العالم، أجابت “رسالتي للناس إذا بيحبوا دارين يكتبوا لي رسالة أو أي إشي”.. ماذا تقول لدارين ولأطفال فلسطين؟

– طفولتكم مؤجّلة لأن ساعة الزمن توقّفت بحسب التوقيت الصهيوني. لكنّكِ، دارين وجيلك تحيَون في الضمير والقلب، ولكم الغد… وكلّ باطل ستذروه الرياح. هكذا يعلّمنا التاريخ الذي لا يقرأ الطّغاة والمحتلّون صفحاته جيداً.

بطاقة

ناقد وشاعر وأكاديمي عراقي من مواليد بغداد عام 1945، مُقيم في تنسي بالولايات المتحدة الأميركية. صدر له في النقد: “البئر والعسل: قراءات معاصرة في نصوص تراثية” (1994)، و”ترويض النص: تحليل النص الشعري في النقد المعاصر (1998)، و”مرايا نرسيس: الأنماط النوعية والتشكلات البنائية لقصيدة السرد الحديثة” (1999)، و”حلم الفراشة: الإيقاع الداخلي والخصائص النصية في قصيدة النثر” (2004)، و”نقد الحداثة: قراءات استعادية في الخطاب النقدي وتنويعاته المعاصرة” (2014)، و”أقنعة السيرة وتجلّياتها” (2017)، و”تنصيص الآخر: في المثاقفة الشعرية والمنهج ونقد النقد” (2022)، و”كن شاسعاً كالهواء: قراءة في دفاتر الفنان غسان غائب” (2021)، و”الثمرة المحرّمة: مقدّمات نظرية وتطبيقات في قراءة قصيدة النثر” (2019)، و”إيكاروس محدّقاً في شمس القصيدة: الميتاشعري في نماذج من قصيدة النثر العراقية” (2024). كما صدر له في الشعر: “الهبوط إلى برج القوس” (2020)، “ربما كان سواي في الدواوين الأربعة” (2023).انتهى4

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here