بقلم// الدكتورة فاتن عبد الواحد الحلفي

كثيرة هي المقالات والمنشورات التي تناولت خطورة المحتوى الهابط وتأثيراته على جيل بكامله – فكراً وسلوكاً- ثم دوره السلبي على معتقدات دينية وأجتماعيةوأخلاقيه راسخة في مجتمعاتنا منذ الأزل – ومكونة لتراثنا ، وعاملة على دعم وتقوية الروابط الأنسانية بين أفراد الاسرة والمجتمع – فارتأيت أن أتناول هذه الظاهرة دون الخوض في تلك المؤثرات لأنها
لم تعد غائبة أو غامضة عن القاصي والداني وعلى مستوى العالم أجمع .. بل وجدت أن نبش الجذور أولاً ثم بحث الحلول سيكون مناسباً خلال هذه المرحلة من مراحل التصدي للظاهرة ..
كلنا يعلم أن أي ظاهرة تبدأ أولاً – بحدث معين ثم تتطور الى مشكلة ثم أزمة – فظاهرة – فلا يمكن أن ننكر أن المحتوى الهابط عندما بدأ كحدث – هنا وهناك – لم يثر حفيظة المراقبين والمصلحين الاجتماعيين الى درجة مسك أقلامهم واستخدام خبراتهم لمواجهتها .. لعدم تقييم عمق المسألة ( دوافعها ، وأستدامة عناصرها ) .. وعندما أضحت تلك الاحداث حالات أجتماعية توحي بأزمة أخلاقية .. أنتبهنا لها جميعا ولكن .. لم نتمكن من اللحاق بها وسحبها الى الخلف أمام تسارع عجلاتها ، وغرابة معطياتها ووقائعها – الذين سبقانا في الدراسات والبحوث ومراقبة اسقاطات مؤشراتها على مجتمعاتنا بل والتمييز بين الصالح والطالح منها –
القسم الأول من مقالتي أتناول فيه علامتي أستفهام : كيف نشأت ظاهرة الفاشنسشتا التي تطورت الى صاحبات أو أصحاب المحتويات الهابطة ؟ و لم روج لها الناس وأخذوا يتابعون تلك الصفحات بجدية ويتفاعلون مع أصحابها – بل منهم من أتخذهم قدوة – ومنهم من قلدهم فنجحوا أو فشلوا ؟
إن إعتماد التكنلوجيا الحديثة للإعلان عن الأعمال التجارية أمر لا جدل عليه ويشكل فائدة لكل أطراف العلاقة من أصحاب العلامات التجارية وشركات مواقع التواصل الاجتماعي على النت والمستخدمين لعرض المنتجات – بغض النظر ودون الخوض في تفاقم أساليب الغش والتدليس على الناس ببضائع كاسدة أو دون المستوى – وبالطبع فإن الشركات الراعية لصفحات التواصل الاجتماعي لها دراساتها الاقتصادية التي تعمل على تطوير سياساتها لتحقيق الأستدامة وزيادة الأرباح ، فأنطلقت الجذوة الاولى من تلك النظرة الرأسمالية لتحقيق الربحية من خلال تقديم أرباح مالية لأصحاب الصفحات كلما زاد عدد المتابعين لهم ، الأمر الذي لا يمتلك أحد السلطة على وضع محدداته سوى الجهات المسؤولية عن مراقبة والتحكم بالأنظمة الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الدول المتقدمة وهيئات الأمم المتحدة ، لأن نطاق هذه العملية عالمي وليس بإقليمي أو وطني أو محلي ولا يمكن لنظام دولة ما أن تتحكم به – رغم أني أعتبره نوع من أنواع إختراق السيادة الوطنية عالميًا وأمر يستوجب معاييردولية ، فعدم وضع محددات لتلك الشركات في تقديم الأرباح عن نسب متابعة الصفحات دون الاهتمام بالموضوع يعد من أعمق جذور تطور ظاهرة المحتوى الهابط ، لأنها تحاكي نقطة ضعف بشرية ” المال” وتفتح أمام الفقراء والمعدمين باباً للقفز العريض نحو ثروات وأموال طائلة دون بذل ” أمر يخل بالتوازن النفسي والنمط الاجتماعي”
ولكن .. ما بال الناس بمختلف فئاتهم يتابعون المحتويات الهابطة مع علمهم أن تلك المتابعة تزيد من ارصدة اصحابها وتشجعهم على السقوط أكثر فأكثر في فراغ من اللامعنى والتفاهة !! رأيي .. أن الأمر بدأ معنا كشئ جديد بعيد عن الرتابة والملل ويضع امامنا تفاصيل كثيرة عن الأشخاص وسلوكياتهم فيشد للناس بدافع الفضول ومشاهدة سيناريوهات من العلاقات الجاذبة للضحك او الإثارة أو حتى النقد والأنتقاد ، ولكن لم يقف الأمر عند هذا الحد فقد تطور الى التمكن من عقول الناس بشكل غريب الى درجة الإدمان على المتابعة ، خاصة عندما يتفاعل أحدهم فيلقى قلوبا ًكبيرة وأحضاناً دافئة للاستجابة من قبل أصحاب تلك المحتويات ـ فيقع من يجد ضعفاً في شغل أوقات فراغه بما ينفع ، أو من يعاني من ضعف التواصل المباشر مع بيئته ، أو من يقدر وفق ثقافته المشوهة أن الأمر راقياً ورائعاً .. في هوة المتابعة دون توقف ..
القسم الثاني سأتناول به .. عمليات التصدي لهذه الظاهرة ، لا يمكن أن ننكر الجهود التي بذلتها الحكومة ممثلة بوزارة الداخلية والأمن الوطني في ردع المحتويات الهابطة من خلال محاسبة اصحاب بعض الصفحات بشكل فعلي واستناداً الى قرارات وقوانين وطنية ، وعلى مرأى ومسمع للرأي العام برمته ، وما حققته تلك الخطوة من هرج ومرج في هذا العالم الأفتراضي حيث أعلن الكثيرون ندمهم وأخذوا حذرهم .. ولكن للأسف القوة الرادعة تلك لم يحقق لها الدوام بسبب أتساع نطاق الظاهرة – فالحل لم يحصل أمام المشكلة عند بدايتها -كما ذكرت- ولكن بعد أن أضحى ظاهرة وبعد أستفحالها ، كما أن التطبيق لم يتصف بالشمولية وتقييم الأولويات بالنسبة للصفحات المعنية ، فلم تغلق الصفحات ولم يتوقف دابر المتابعة والترويج لها كما لم تحجب الأرباح التي يتقاضون .. نعم فلم يتنازل أصحاب تلك الصفحات عن كم الثروات التي تتحقق لهم من مادة لن يخسروا عليها أي رؤوس أموال بل بعتبرون الأمر مشروعاً ربحياً ومصيرياً ـ ومادته الأولية بذاءة اللفظ والوقاحة والتنازل عن الكرامة والسمعة ..
أمام كل ذلك ، لا بد أن أقف عند النتيجة المؤسفة التي وصلت اليها هذه المضاربات فقد صار أصحاب المحتويات الهابطة يقتلون الواحد تلو الآخر ، ولا يمر عام دون أن نسمع عن مقتل عدد منهم ، وهناك من لم نسمع بهم ..
وهذا يقودنا الى أمر آخر .. وهو تسليط الضوء على أصحاب هذه الصفحات .. هم من المثليين ، الهاربات من أسرهن والمهدور دمهن من عشائرهن ، الفاشينستات اللواتي يقاتى بهن ثم أصبحن سيدات مجتمع تتسابق وسائل الأعلام على تحقيق لقاءات بهن ، ربات البيوت اللواتي لم يعرضن خبراتهن بالحياة ويضفن قيم أسرية للمجتمع بقدر ما أخذن يعرضن يومياتهن بالتفصيل الممل ، ومن يعتبرن أنفسهن فنانات …
فهل يمكن أن يقود هؤلاء أخلاقيات ومبادئ وقيم وسلوكيات مجتمع بأكمله ؟ بالطبع أستحالة ذلك ليس انتقاصاً من قابلياتهم – فكل بتخصصه قادر – بقدر ما نعرف عن اقتران صفحاتهم تلك بهدف الربح وبالشكل الذي بينت .. ولتجاوزهم حدود معارفهم الى عروض وتجاذبات مسيئة للذوق العام وابتكارهم اساليب غريبة لجذب المتابعين .
وأخيرا .. فإن .. المشكلة عالمية وتغذيتها من جهات لا يمكن التحكم بها وبسياساتها ( شركات عالمية ) وضحاياها الواقعين في درك عرض المحتوى الهابط وأجيال متابعة بكاملها _ أما المتضرر الأكبر فهي البنية الاجتماعية التي تقوض بصمت وعلى مهل .. لإنتاج الفاشلين المتربحين دون تعب وتكاثرهم بشدة – لبغيبوا الفكر ويسرقوا الوقت وينتجوا المنحرفين والتافهين بل حتى المجرمين.
والحل برأيي .. جهد إقليمي تقوده المنظمات العربية الرصينة وبرئاسة منظمة المرأة العربية ، تتوجه بمشروع تقني نحو التزام دولي من تلك الشركات ، ثم سياسات للاصلاح الاجتماعي الذي يستهدف كل نقاط الضعف لدى ضحايا هذه الظاهرة .. وأخيرا اتسائل عن نتائج الشروع الرقمي ومبادرة وزارة الاتصالات لإطلاق مشروع قانون الاتصالات والمعلوماتية أو شبكة التواصل الاجتماعي أو أي مسمى آخر ؟
واختم بأمنيتي بالسلام الداخلي والقناعة والحذر والفطنة والحكمة والرفعة لكل أبناء وبنات مجتمعي الذي نزهوا بهم دوماً.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here