بقلم//حسن عطوان

روى صاحب كتاب نوادر المعجزات ( 1 ) مُرّسِلاً عن الأصبغ بن نباتة ( 2 ) ، قال :

( دخلت في بعض الأيام على أمير المؤمنين عليه السلام في جامع الكوفة ، وإذا بجم غفير ومعهم عبد أسود ، فقالوا : يا أمير المؤمنين هذا العبد سارق .

فقال له الإمام عليه السلام : أسارق أنت يا غلام ؟
فقال له : نعم .
فقال له مرة ثانية : أسارق أنت يا غلام ؟ فقال له : نعم يا مولاي .
فقال له الإمام عليه السلام : إنْ قلتَها ثالثة قطعتُ يمينك .
فقال له : أسارق أنت يا غلام ؟ قال : نعم يا مولاي .

فأمر الإمام عليه السلام بقطع [ أصابع ] يمينه، فقُطعتْ ، فأخذها بشماله [ و ] هي تقطر دما ، فلقيه ابن الكوا ( 3 ) وكان يشنأ أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال له : مَن قطع يمينك ؟

قال : قطَعَ يميني الأنزع البطين ، وباب اليقين ، وحبل الله المتين ، والشافع يوم الدين …

قطع يميني إمام التقى ، ابن عم المصطفى … وحتف العدى ( 4 ) ، ومفتاح الندى ( 5 ) ، ومصباح الدجى .

قطع يميني إمام الحق ، وسيد الخَلْق ، فاروق الدين ، وسيد العابدين ، وإمام المتقين ، وخير المهتدين ، وأهل السابقين ، وحجة الله على الخلق أجمعين .

قطع يميني إمام بدري حجازي ، مكي مدني ، بطحي أبطحي ( 6 ) ، هاشمي قرشي أريحي ( 7 ) مولوي ( 8 ) ، طالبي لَوْذَعي ( 9 ) ، الولي الوصي …

قطَعَ يميني شجاع جريء ، جواد سخي ، بُهْلُول ( 10 ) شريف الأصل ، ابن عم الرسول وزوج البتول ، وسيف الله المسلول ، المردودة له الشمس عند الأفول .

قطع يميني صاحب القبلتين ، الضارب بالسيفين ( 11 ) … لم يشرك بالله طرفة عين … أبو السيدين الحسن والحسين …

فلما فرغ الغلام من الثناء مضى لسبيله ، ودخل عبد الله بن الكوا على الإمام عليه السلام فقال له : السلام عليك يا أمير المؤمنين .

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : السلام على من اتبع الهدى ، وخشي عواقب الردى ( 12 ) .

فقال له : يا أبا الحسنين إنّك قطعت يمين غلام أسود وسمعته يثني عليك بكل جميل .
فقال : وما سمعته يقول؟
قال : يقول كذا وكذا ، وأعاد عليه جميع ما قال الغلام .

فقال الإمام عليه السلام لولديه الحسن والحسين عليهما السلام : أمضيا وائتياني بالعبد .
فمضيا في طلبه فوجداه في كندة ، فقالا له : أجب أمير المؤمنين يا غلام .
قال : فلما مَثَلَ بين يدي أمير المؤمنين ، قال له الامام :

قَطَعتُ يمينك وأنت تُثْني عليّ بما قد بلغني !
فقال : يا أمير المؤمنين ما قطعتها إلّا بحق واجب أوجبه الله ورسوله .

فقال [ الإمام ] : أعطني الكف فأخذ الامام الكف وغطاه بالرداء ، وكبّر وصلى ركعتين وتكلم بكلمات … وركَّبه على الزند ، وقال لأصحابه : اكشفوا الرداء عن الكف ، فكشفوا الرداء ، وإذا الكف على الزند بإذن الله .

ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام : ألم أقل لك يا بن الكوا :

إنَّ لنا محبين لو قطَّعناهم إرَباً إرَباً ما ازدادوا لنا إلّا حباً ، ولنا مبغضين لو ألعقنا لهم العسل ( 13 ) ما ازدادوا لنا إلّا بغضاً ) ( 14 ) .

وقد يتوقف البعض عند معجزة أو كرامة إرجاع الأصابع ؛ لا سيّما أنَّ هذه الرواية ضعيفة السند ؛ حيث أنَّ صاحب كتاب نوادر المعجزات أرسلها عن الأصبغ بن نباتة ، وبينهما ما يزيد على ثلاثة قرون ، ولا نعرف الواسطة بينهما .

فنقول : مع أنَّ المعجزة ليست بعيدة عنهم عليهم أفضل الصلاة والسلام ؛ ومع أنَّنا يُفترَض أنْ نؤمن بمبدأ الشيخ الرئيس إبن سينا القائل : ” كل ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان مالم يذدك عنه قائم البرهان ” .

لكنّي مع ذلك لست بصدد إثبات هذه المعجزة .

إنّما كنت بصدد العبرة والإعتبار من هذه البصيرة النافذة في التسليم المطلق للحكم الشرعي ، والتعامل مع الإمام من شيعيٍّ ، المفروض أنّه سيكون متأذياً من الإمام بعد قطع أصابعه .

تسليم معبّر وبصيرة نافذة قد تملكت قلوب أتْباع عليٍّ يقابلها عمىً مطْبق عند مبغضيه .

عظّم الله أجوركم .

***********

( 1 ) هو الشيخ أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الآملي الطبري ، ( ت : 450 هج ) ، صاحب كتاب ( دلائل الإمامة ) و( نوادر المعجزات ) ، وهو من مشاهير علماء الشيعة الإماميّة ، كان معاصراً للشيخين النجاشي المتوفى ( 450 هج ) والطوسي المتوفى ( 460 هج ) ، ومع معاصرته لهما لم يذكراه ، لا بذمٍّ ولا بمدح .

وهو غير الطبري السُنّي صاحب التاريخ والتفسير المعروفيَن ، وإنْ كان يشابهه في الإسم وإسم الأب ، بل في اللقب والكنية أيضاً ، اذ الطبري السُنّي : هو محمد بن جرير بن يزيد الآملي الطبري أبو جعفر ، وهو متوفى عام ( 310 هج ) .

وهو أيضاً غير طبريٍّ شيعيٍّ ثانٍ ذكره ووثقه الشيخ النجاشي ، وهو ابو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب كتاب ( المسترشِد في الإمامة ) ، وهو شيعي ايضاً ، لكنّه غير صاحب كتاب دلائل الإمامة ، وهناك مَن خلط بينهما فاعتقد أنَّ توثيق النجاشي والطوسي لصاحب كتاب دلائل الإمامة ، والأمر ليس كذلك ، بل هو لصاحب كتاب المسترشد في الإمامة ، وقرينة ذلك أنَّ النجاشي بعد أنْ وثقه قال : ” له كتاب المسترشد في الإمامة ، اخبرناه احمد بن علي بن نوح عن الحسن بن الحمزة الطبري ، اذن فيفصل بينه وبين النجاشي طبقتين ، بينما صاحب كتاب دلائل الإمامة معاصر له .

( 2 ) الأصبغ‌ بن‌ نباتة بن الحارث بن دارم التميمي الكوفي ، يُكنّى بأبي القاسم ، وكان من أبرز أصحاب أمير المؤمنين في عصره ، ومن أشدّ الموالين له والثابتين على إمامته .
كان شيخاً ناسكاً عابداً ، وكان من ذخائر الإمام وممَن بايعه على الموت ، وهو من فرسان أهل العراق ، ومن قادة جيش الإمام وقد شهد معه وقعة الجمل .
وكان على شَرَطَة الخميس في صفين .

وشَرَطَة الخميس : هم جماعة ممَّن شارطوا الإمام فضمن لهم الجنة مقابل الوفاء والتضحية والإقدام ، والخميس هنا : هو الجيش .

( 3 ) إبن الكوا : عبد الله بن الكواء ، من الخوارج المُبغضين للإمام .
ويشنأ : يُبغض مع عداوة وسوء خلق .

( 4 ) حتف العدى : الحتف هو الموت ، وفي التعبير بلاغة ، فهو الموت بنفسه لأعداء الدين .

( 5 ) الندى ، بحسب قرينة السياق هنا : هو الجود والفضل والخير .

( 6 ) البطحاء : مكة وما حولها ، وبنو هاشم : سادتها ، بل سادة الأرض .

وقيل : إنَّ بطحي وأبطحي من باب الترادف .
ولكن يمكن أنْ يقال : إنَّ الوصفين إذا إجتمعا فالمراد ببطحي : من بطح اليد : أي بسطها ، كناية عن الكرم والتصدق والإيثار .

( 7 ) أريحي : سهل الطباع ، واسع الخُلُق .

( 8 ) مولوي : منسوب للمولى الحقيقي وهو الله سبحانه ، أي أنّه يصف الإمام بأنّه إلهي ، او هو الزاهد الكبير .

( 9 ) لَوْذَعي : حاد الذكاء ، فصيح اللسان ، سريع الجواب .

( 10 ) بُهْلُول : السيد الجامع لكل صفات الخير .

( 11 ) الضارب بالسيفين :
قيل : لأنّه قاتل بسيفين معاً في بعض الغزوات .
وقيل : لأنّه قاتل بسَيّف ثانٍ بعد تكسّر سيفه الأول في غزوة أحد .
وقيل : بسيف التنزيل في حياة الرسول صلى الله عليه وآله ، وبسيف التأويل بعده .

( 12 ) عواقب الرَدى : عواقب ، جمع عاقبة : نهايات كل شيء وخاتمته .
والردى : الهلاك والموت .

( 13 ) العسل : تناوله بلسانه أو بإصبعه .

( 14 ) الطبري ( الشيعي ) ، محمد بن جرير ، ( ت : 450 هج ) ، نوادر المعجزات ، ص 60 – 62 ، الناشر : مؤسسة الإمام المهدي ( عليه السلام ) ، قم المقدسة .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here